R. Descartes (1596-1650م) أبو الفلسفة الحديثة الذي أكد أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس يدرك البديهيات بالحدس - أي بالإدراك الفوري المباشر - ويصل إلى الحقائق اليقينية. الله لا يخدع أبدا، فلنثق في الله وفي العقل، ونرفع الوصاية عن الإنسان لينطلق باحثا عن الحقيقة ومشيدا للعلوم. فقدم ديكارت واحدة من أمضى صور العقلانية. أما الإمام الثاني لعقلانية القرن السابع عشر، فيرتبط اسمه مباشرة بحركة العلم الحديث، إنه فرنسيس بيكون
F. Bacon (1561-1626م) الذي رفع الوصاية عن الإنسان عن طريق الثقة في الحواس وفي الطبيعة، فكان أبا التجريبية الحادة التي اقترن بها العلم الحديث في مراحله الأولى.
ومع تباشير النجاح الصاعد للعلم الحديث، بدت هذه الثقة بالإنسان وقدراته في محلها تماما، فنتج عنها ثقة زائدة في العقل، تمخضت في القرن الثامن عشر عما يعرف باسم عصر التنوير، عصر الإيمان بقدرة العقل على فض كل مغاليق هذا الوجود، كانت فلسفة التنوير الوريثة الأمينة للعقلانية وللتجريبية العلمية في القرن السابع عشر، صهرتهما معا في إطار إيمانها الطاغي بالتقدم غير المحدود الذي تنجزه البشرية باطراد في طريق واحد لا سواه، طريق العقل والعلم.
وفي إقرار هذا استعان التنويريون بمقولة هيمنت هيمنة طاغية على التفكير الحديث، إنها مقولة الحتمية
Determinism
الميكانيكية الشاملة التي فرضتها فيزياء نيوتن على العلم الكلاسيكي الحديث من رأسه حتى أخمص قدميه، وحكمته بقضبان حديدية. والحتمية تعني عمومية قوانين الطبيعية وثبوتها واطرادها، فلا تخلف ولا مصادفة ولا جواز ولا إمكان؛ لأن كل شيء في الكون ضروري ذو علاقات ثابتة، وكل حدث مشروط بما يتقدمه أو يصحبه، فترتبت أحداث الكون في اتجاه واحد من مطلق الماضي إلى مطلق المستقبل، مما يجعل نظام الكون ثابتا شاملا مطردا، وكل ظاهرة من ظواهره مقيدة بشروط تلزم حدوثها اضطرارا، أي خاضعة لقانون يجعلها نتيجة ضرورية لما قبلها ومقدمة شرطية لما بعدها، مما يعني أن كل ما يحدث لا بد أن يحدث ويستحيل حدوث سواه.
لقد أصبحت الحتمية العلمية شاملة، ومن هذه الحتمية الفيزيائية خرجت الحتمية الاجتماعية التي تزعم قوانين ضرورية للحركة الاجتماعية، وتعضدت الحتمية التاريخية التي تزعم طريقا واحدا محتوما لمسار التاريخ، وقد استعان التنويريون في القرن الثامن عشر بهذه الحتمية العلمية في إقرار وتعيين وترسيم ما رأوه من طريق واحد لا سواه للتقدم غير المحدود الذي تنجزه البشرية باطراد، طريق العقل والعلم.
وإذ عني التنويريون بترسيم المراحل المنقضية من هذا الطريق، مثلا مراحل التاريخ عند فيكو
G. B. Vico (1668-1744م)، وعند تورجو
A. R. Turgot (1727-1781م) ومخطط «كوندرسيه»
J. A. Condorcet (1743-1794م) التاريخي لتقدم العقل البشري ... فقد بدت المراحل المنقضية عقبات كئود ظفر العقل البشري بالتحرر من ربقتها، وإذا كان ثمة تاريخ منقض لماضي العلم فلن يعدو أن يكون سجلا لإزاحة الجهل، فهل نوليه اهتماما؟! وهل تناط به أدوار أبستمولوجية؟! بالطبع كلا! هكذا تراجعت أهمية تاريخ العلم.
وهذا الميراث العقلاني التنويري في القرن الثامن عشر حملته باقتدار وامتياز فلسفة العلم حين نشأت في القرن التاسع عشر، ومن ثم سيطر على فلسفة العلم آنذاك، وحتى أواسط القرن العشرين، الاقتصار على النسق العلمي كمنجز راهن تطرد كشوفه ويتوالى تقدمه؛ ليغدو تاريخه مسألة شاحبة غير ذات صلة بالموضوع.
على العموم، تم تجاوز هذه المرحلة الآن، وحدث اندماج واقتران حقيقي وحميم بين فلسفة العلم وتاريخه، وسوف نرى أن هذا حدث أساسا كتطور ونماء لفلسفة العلم ذاتها، وبفضل جمع من كبار فلاسفتها لا سيما في الثلث الأخير من القرن العشرين، فيما يحق اعتباره ظفرا للعقل الفلسفي، ولكن لا يمكن أن نفصل هذا تماما عن إنجاز آخر تميز به القرن العشرون، ألا وهو أنه قد شهد أخيرا نضج مبحث تاريخ العلم «إذ لم يكتمل الاعتراف به كمبحث أكاديمي يتفرغ له دارسون متخصصون إلا في عام 1950م فقط، حين بدأ ذلك في بعض الجامعات الأمريكية»،