تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

ليس لنظام تيخو قيمة علمية، وبصفة عامة الدور الحقيقي لتيخو يتبدى من خلال الفلكي الألماني الشاب يوهانس كبلر

J. Kepler (1571-1630م) الذي استفاد من الاتصال الشخصي بينه وبين تيخو، واستخدم آلات ورصودات تيخو وحدوس كوبرنيقوس ليعمل عبقريته العلمية في الإنجاز النهائي لهذه المرحلة الفلكية الهندسية من العلم الحديث.

وبينما كان تيخو على فراش الموت، أوصى كبلر بإتمام جداوله لحركات الكواكب، مستعملا نظريته الفلكية (نظام تيخو) كإطار للعمل وليس نظرية كوبرنيقوس. وقد نفذ كبلر الشق الأول من الوصية، وأكمل الجداول الفلكية ونشرها عام 1627م باسم «الجداول الرودلفية»، على شرف الإمبراطور رودلف الثاني راعي تيخو وكبلر الذي استضافهما على الرحب والسعة في براغ ووهبهما قلعة كمركز للرصودات الفلكية ولقب «عالما الرياضة صاحبا الفخامة»؛ لأنهما كانا يستكشفان له طالعه وحظه عن طريق «التنجيم» حرفتهما الرسمية؟!

21

ولم ينفذ كبلر الشق الثاني من الوصية، فقد رفض نظام تيخو، واعتنق الكوبرنيقية بتعصب؛ إذ كان في شبابه يعبد الشمس، فآمن بأن المكان الملائم لهذا النجم العظيم هو مركز الكون، واعتقد أن الله خلق الكواكب تبعا لمبدأ الأعداد التامة، وكان يبحث عن التناغم الهارموني في الكون الخاضع للمبدأ الرياضي، ويمكن التوصل إليه بالتدوينات الموسيقية، كما حاول أن يفعل في كتابه «تناغم العالم

Harmony of World ». المهم أنه طرح فكرته بأن المدارات الفلكية ليست دائرية، بل أهليجية، أي بيضاوية، أو تمثل قطعا ناقصا، ويعد الفرض الأهليلجي أو القطع الناقص ثورة فجرها كبلر، وتكاد «تناظر ثورة كوبرنيقوس، إنها ثورة على الاعتقاد الإغريقي والوسيط بأن الأجرام السماوية مقدسة، وبالتالي لا بد وأن تدور في الشكل المقدس وهو الدائرة الكاملة»،

22

وفي النهاية أعطى كبلر لنظرية كوبرنيقوس أسسها وحججها عن طريق هذا الفرض الأهليلجي وقوانين حركة الكواكب التي توصل إليها.

فقد انتهت جهود كبلر الفلكية إلى أن الحركة اليومية والسنوية البادية للشمس والنجوم والكواكب يمكن تفسيرها بأبسط صورة وبأعلى درجة تقريبية إذا افترضنا أن الأرض تدور حول محورها مرة كل أربع وعشرين ساعة، وتوصل إلى قوانينه الثلاثة المشهورة التي أودعها كتابة «الفلك الجديد»، وهي: (1)

الأرض والكواكب تدور حول الشمس في مدارات إهليلجية، تقع الشمس في إحدى بؤرتيها. (2)

يقطع الخط الواصل بين الشمس والكوكب مساحات متساوية في فترات زمانية متساوية. (3)

نسبة مربع الزمان الدوري للكوكب إلى مكعب متوسط بعده عن الشمس واحدة بالنسبة لجميع الكواكب.

ولم تكن جهود كبلر فلكية مصمتة، بل تطور مفهوم الطبيعة بأسره على يديه؛ لأنه كان قد أخذ فكرة جيلبرت في المغناطيسية وعممها، فقال: إن كل الأجسام تمارس جذبا، وبهذا المفتاح لظاهرة الجاذبية ألغى كلمة الكائن الحي

anima

في معالجة الطبيعة، وأحل محلها مصطلح القوة المادية

vis

ذات الطاقة الميكانيكية،

23

وبهذا أنهى عهدا قديما طويلا تصور أن الطبيعة حية، وكانت نهاية التصور الحيوي للطبيعة بدورها من البدايات الحاسمة للعلم الحديث، فتح بها كبلر الطريق أمام التصور الحتمي الميكانيكي للكون، والذي هو مشروع أنجزه العلم الحديث بنجاح ساحق حقا، سحق في طريقه أشياء كثيرة منها ميتافيزيقا حرية الإنسان وتفرده.

كما رأينا كان كبلر، على الرغم من إنجازه العظيم، مدفوعا بدوافع لا عقلانية، ثم جاء جاليليو (1564-1642م) ليكون صورة مثالية للعقل العلمي الحديث الناضج تماما، القادر على التوحيد بين اللغة الرياضية والوقائع التجريبية والفروض الجريئة تمثيلا للمنهج العلمي الحديث. آمن بأن الرياضيات لغة العلم والواقع، وعبر عن هذا الإيمان بمقولته الشهيرة: «كتاب الطبيعة المجيد مكتوب بلغة الرياضيات»، وهي الفكرة الفيثاغورية الأفلاطونية القديمة، لكنها مع جاليليو أصبحت أساس علم ناضج بالطبيعة، كان مبدأ العلم عنده هو: لا شيء قابل للمعرفة إلا ما هو قابل للقياس الكمي، ومن ثم قصر العلم على الدراسة الكمية وألغى أي عنصر كيفي، وذلك عن طريق القسمة التي اصطنعها بين الخصائص الأولية والخصائص الثانوية. الخصائص الأولية هي الكميات في الشكل والوزن والحجم والحركة، وهي لا سواها موضوع العلم، أما الخصائص الثانوية فهي الكيفيات، أي الروائح والعطور والألوان والأصوات، وهي ليست من العلم في شيء البتة، إنها خارجة عن مفهوم الطبيعة. ولحق بهذا المصير مفهوم العقل، فبينما آمن الإغريق بأن العقل محايث في الطبيعة، أكد جاليليو أن الطبيعة ليس فيها عقل، وهذا يعني أنها ليست من الكائن العضوي في شيء، بل هي آلة، عملياتها وتغيراتها ليست بسبب علل نهائية أو غائية، بل فقط بسبب العلة الكافية المؤدية لحدوث الحدث التالي لها. على هذا النحو اكتمل في ذهن جاليليو التصور الحتمي الميكانيكي للكون المقترن بالعلم الحديث.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٣٨