تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أجل، اقترن اسم بيكون بحركة العلم الحديث؛ لأن دعواه المنهجية كانت أقوى تجريد وتجسيد لعصر العلم الحديث، أقوى تجسيد للحداثة، للانقلاب على الماضي رفضا له والقطيعة مع العصور الوسطى المدرسية، فمنهجها قياسي يبدأ بمقدمات كلية ليخرج بنتائج جزئية تلزم عنها ولا التجاء إلى الحواس أو التجريب. وكان المنهج الذي رفع لواءه بيكون هو الانقلابة، هو الضد الصريح تماما لهذا، إنه منهج يعتمد على الحواس والتجريب، ويبدأ من جزئيات ليخرج بنتيجة كلية هي قانون من قوانين الطبيعة، إنه المنهج الذي يستقطب سؤال العصر ... سؤال الطبيعة.

وبيكون بدوره - بتجسيده لروح العصر - يصف الطبيعة بالأم الكبرى للعلوم، أو جذع شجرة المعرفة، ولا أمل في التقدم إلا بأن ترتد إليها العلوم جميعا،

8

وفي وجه آخر من وجوه تجسيداته البارزة لروح العصر، يؤكد أن المعرفة هي قوة الإنسان،

9

وليست ترفا وزينة كما كانت عند الإغريق، أو دوائر نظرية مغلقة وجوفاء كما كانت عند المدرسيين، وإذا كانت المعرفة قوة، فإن الطبيعة - ومنذ الفقرة الأولى في الأورجانون الجديد - هي مملكة المعرفة الإنسانية، والميدان الوحيد المثمر والمأمول لسيطرة الإنسان، وفقط عن طريق المنهج التجريبي، أي ملاحظة الواقع والتفكير في مسار الطبيعة. وإذا تجاوز الإنسان هذا فلن يستطيع أن يعرف أو يفعل شيئا،

10

ويراه بيكون منهج كشف بسيطا للغاية وطبيعيا إلى أقصى الحدود طالما يعتمد على معطيات الحواس، وهو فقط الذي يحقق وعد التوراة بأن يصبح الإنسان سيد الكائنات وتاج الخليقة وبطل الرواية الكونية.

هكذا كان بيكون وهو يقدم الطبيعة بوصفها المملكة البشرية الكبرى التي يستطيع الإنسان غزوها والسيطرة عليها عن طريق التجريب، إنما كان يقدم أقوى تجريد وتجسيد لروح العصر الحديث، وحتى المتغيرات التي أنجبته، وكان أبرزها - كما ذكرنا - اكتشاف العالم الجديد. وكثيرا ما كان بيكون يستشهد بالرحلات إلى العالم الجديد قبل أن يعبر عن أمله في اتساع المعرفة «بحيث تتجاوز أي شيء اكتشفه القدماء أو المدرسيون، اعتمادا على منهج فاسد، وهدف بيكون لأن يكون - كما قال - مثل كولومبوس، أي يكتشف عالما جديدا، وأن يبحر مخترقا أعمدة أروقة هرقل - رمز العالم القديم - مبحرا في المحيط الأطلسي؛ لكي يكتشف جديدا، والآخرون قادرون على تحقيق شيء مشابه لو أنهم تخلوا عن التوقير غير المناسب للقديم واتبعوا الأورجانون الجديد، أو المنهج الاستقرائي».

11

من هنا مثل الاستقراء - المنهج التجريبي - أقوى تجليات الحداثة من حيث هو تمثيل لشريعة العلم الحديث.

وتتوالى فقرات «الأورجانون الجديد» لتفصيل هذا المنهج الذي جاء مع بيكون على جانبين أو قسمين: الأول سلبي مختص بالتنويه إلى الأخطاء المتربصة بالعقل البشري كي يتجنبها، والثاني إيجابي مختص بقواعد التجريب، والجانب الإيجابي - مهما كانت قدرته على التعبير عن روح العصر - يعبر عن مرحلة باكرة ومبدئية، فكان مشوبا بقصورات ومآخذ جمة كما سنرى. لذا يحق لنا الحكم بأن الجانب السلبي لا يقل عنه أهمية، إن لم يكن أهم؛ لأنه يمثل إضافة حقيقية ولفتة ثاقبة من بيكون، مثمرة وتظل صالحة لكل العصور. لقد انتهى القرن العشرون ولا تزال البشرية تعاني من تلك الأخطاء التي نوه إليها بيكون في الجانب السلبي من منهجه. ولا بد من الحذر بشأنها ليتجنب العقل البشري مزالقها.

إن العقل عند بيكون أداة مماثلة وتجريد وتصنيف لمعطيات الحواس، وفي تجسيده لخطورة هذه الأوهام المتربصة بالعقل يطلق عليها اسم الأوثان أو الأصنام

Idol ، فهي تتحكم في العقل تحكما رهيبا وتحجبه عن جادة الصواب، فتكون بمثابة أصنام يعبدها ... كأوهام يتشبث بها، وقد كرس لها بيكون أكثر من ثلاثين فقرة من فقرات الكتاب الأول في الأورجانون الجديد، وهو يقسمها إلى أربعة أنماط على النحو التالي: (1)

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٣٢