تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد ... يخرج هذا الكتاب بين يدي القارئ الكريم، وقد مضى أكثر من عشرين عاما وأنا سابحة في بحور فلسفة العلم ومياهها العميقة، في نصوصها وإشكالياتها ومنحنياتها ومراميها وفعالياتها ... والرؤى المختلفة والمتقابلة لتاريخ العلم ومسيرته عبر الحضارات، خرجت بحصائل جمة لا بأس بها، لكنها كانت فرائد، أتى توجيهها وتوظيفها في هذا الإطار المتكامل، من فيء لقائي بأستاذ جيلي الدكتور فؤاد زكريا، لقد تفضل سيادته بأستاذيته المكينة والمعطاءة، وأرشدني إلى فكرة هذا الكتاب، وتتابعت الإرشادات والتوجيهات عبر خطوات الإنجاز، ثم يتضاعف عرفاني وامتناني لأستاذي الجليل الدكتور فؤاد زكريا، لما تحقق من استفادة بالغة بأعمال سيادته، تأليفا وترجمة، والتي هي أعمال رائدة وفاعلة وناجزة في إرساء أسس فلسفة العلم وأصول التفكير العلمي في الحضارة العربية.

ويبقى امتناني لسائر أساتذتي الذين تعلمت على أيديهم ومن أعمالهم، وأيضا ابني حكيم حاتم، وحبي العظيم له - ولشقيقته يمنى - وقد اختار لدراساته فرعا متقدما من فروع العلم ورياضياته العالية، لا شك أن مناقشاتي معه الحية المستفيضة حول أصول مفاهيم علمية وأبعادها الحضارية والمنظورات الإنسانية الشاملة لها ... قد ساهمت في إضفاء مزيد من الحب والحيوية والنضارة على إنجازي لهذا الكتاب، وتتفضل سلسلة عالم المعرفة المرموقة بتقديمه إلى القارئ العربي، في إطار السعي نحو توطين الوعي بظاهرة العلم كظاهرة إنسانية حميمة متدفقة في سياق حضاري موات، وتعميق أبعاد الروح العلمية بين قراء العربية، لا سيما أمثاله من شباب العلميين.

وفقنا الله جميعا لما فيه خير الثقافة العربية.

الفصل الأول

| العلم بين فلسفته وتاريخه

(1) مدخل

أولا: علاقة متوترة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم

يقول هيدجر: إن العلم لا يفكر في ذاته. ويمكن أن نضيف إلى هذا أنه لا يعنى كثيرا بذاكرته، ولا يلتفت إلى ماضيه، فديدن العلم في أن يصحح ذاته ويجدد نفسه ويتجاوز الوضع القائم، ناهيك عن الماضي، إنه يشحذ فعالياته المنطلقة بصميم الخصائص المنطقية صوب الاختبارية والتكذيب والتصويب، صوب مزيد من التقدم والكشف، أي صوب المستقبل دوما.

لذلك لم تكن علاقة العلم بتاريخه مماثلة لعلاقة الكيانات الحضارية الأخرى بتاريخها، فقد تعتبره بمثابة سجلها المدون الذي يحمل معالم تشكل هويتها، فلا تنفصل عن تاريخها إلا إذا كان للشخص أن ينفصل عن بطاقة هويته، ولعل المنطلق الفلسفي يطرح علاقة الفلسفة - قبل أي شيء آخر - بتاريخها، ولما كان تاريخ الفلسفة هو ذاته الفلسفة، فإن هذا يبرز كيف تنفرج الهوة بين العلم وتاريخه.

ولكن بقدر ما نجد العلم في القرن العشرين قد أصبح الفعالية العظمى التي تشكل وتعيد تشكيل العقل المعاصر والواقع المعاصر، يوما بعد يوم وإلى غير نهاية، نجد تاريخ العلم هو تاريخ العقل الإنساني والتفاعل بينه وبين الخبرات التجريبية أو معطيات الحواس، هو تاريخ المناهج وأساليب الاستدلال وطرق حل المشكلات التي تتميز بأنها واقعية عملية ونظرية على السواء، إنه تاريخ تنامي البنية المعرفية وحدودها ومسلماتها وآفاقها، تاريخ تطور موقف الإنسان بإمكاناته العقلية من الطبيعة والعالم الذي يحيا فيه، تاريخ تقدم المدينة المدنية والأشكال الحضارية والأساليب الفنية التي يصطنعها الإنسان للتعامل مع بيئته؛ لكل ذلك يحق لنا القول: إن تاريخ العلم وليس تاريخ العروش والتيجان والحروب والمؤامرات هو التاريخ الحقيقي للإنسان وصلب قصة الحضارة في تطورها الصاعد.

وعلى أية حال، إذا كان العلم لا يفكر في ذاته، فإن فلسفة العلم هي التي تتكفل بذلك العبء وتضطلع بالتفكير في ذات العلم ... في منهجه ومنطقه وخصائص المعرفة العلمية وشروطها وطبائع تقدمها وكيفياته وعوامله ... على الإجمال التفكير في الإبستمولوجيا - أي نظرية المعرفة العلمية - ثم العلاقة بينها وبين المتغيرات المعرفية الأخرى والعوامل الحضارية المختلفة.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٣