4
على أن كتاب «عقم النزعة التاريخية» لا يعنى أساسا بالماركسية، بل يعمل على تفنيد كل حجج النزعة التاريخية، سواء أكانت مستقاة من النزعة الطبيعية والتوجه العلمي أم معارضة لهذا.
وفي غضون الطريق السائر من فلسفة العلم ومنهجه إلى فلسفة المجتمع والسياسة تترسم فلسفة كارل بوبر كاتجاه قوي مترامي الأطراف، متعدد الجوانب متسق الأبعاد، شديد الولاء والإخلاص لمنطلقات وتوجهات فلسفة العلم، يوسم بالعقلانية النقدية، ويعد من أهم تيارات فلسفة القرن العشرين وأكثرها خصوبة وأعمقها تأثيرا، أدلى بوبر بدلوه في ميادين حضارية ومجالات فلسفية عديدة ترك فيها بصماته، بحيث ساهم في تشكيل ملامح الفكر الغربي في النصف الثاني من القرن العشرين.
ويظل أهم ما في فلسفة بوبر أنها دفعت فلسفة العلم دفعة واسعة في اتجاه منطق الكشف والتقدم، فتحت أمامها آفاقا أوسع، واستحق بوبر أن يكون أهم فلاسفة العلم خصوصا في العالم المتحدث بالإنجليزية والألمانية. وحتى في فرنسا، حيث لا تتمتع أعماله بالدرجة نفسها من الذيوع والانتشار، سعى إدكار فور المفكر ووزير التعليم المتميز إلى تأسيس مركز للدراسات البوبرية في فرنسا عام 1982م، ولا غرو ما دام بوبر عملاق المنهج العلمي، داعية المجتمع المفتوح، نصير الديمقراطية الليبرالية في أكثر صورها إنسانية، مهاجم الماركسية ذا البأس الشديد الذي سبق الأحداث بنفاذ بصيرة رائع واستبصر ذلك المآل للأنظمة الشمولية المغلقة في أوروبا، العدو الشرس للفلسفة التحليلية والوضعية المنطقية بانكبابها على تحليل عبارات العلم لتنزع عن الفلسفة بهاءها السرمدي، وتحاول سحق الميتافيزيقا. كان بوبر مجيدا ومجيدا وهو يدافع عن الميتافيزيقا من أجل العلم، فهي الأفق النهائي للفروض العلمية الخصيبة.
ويعنينا من كل هذا أنه إطار فلسفته للعلم، فلسفة التقدم العلمي، وقبل أن نعرض لها نلقي نظرة على حياة الفيلسوف التي كانت مسرحا مواتيا لها.
ولد كارل ريموند بوبر في فيينا، في 28 يوليو عام 1902م، لأسرة نمساوية خليقة بأن تنجب فيلسوفا، الأب حاصل على درجة الدكتوراه وكذا أخواه، وكان أستاذا للقانون في جامعة فيينا ومحاميا، ويبدو أنه كان مثقفا ثقافة رصينة، حتى إننا لا نجد - كما يخبرنا الابن كارل بوبر - حجرة واحدة في منزله غير مكتظة بالمراجع الكبرى وأمهات الكتب الفلسفية وآيات التراث الإنساني، باستثناء حجرة المعيشة كانت بدورها مكتظة بمكتبة موسيقية تحوي أعمال باخ وهايدن وموزار وبيتهوفن ... وبوبر يعتز كثيرا بأنه يمتلك نسخة من طبعة القرن السابع عشر لكتاب لجاليليو، ونسخة من طبعة القرن الثامن عشر لكتاب لإيمانويل كانط فيلسوفه الأثير. وقد كان الأب حريصا على تنشئة ابنه، ومنذ نعومة أظفار الصبي كارل بوبر، ووالده يحفزه على قراءة الكتب الفلسفية الكلاسيكية، ويناقشه في مشاكل اللامتناهي والماهية والجوهر، وحينما تعييه حذلقة الصبي يعهد به إلى عمه ليستأنف المناقشة.
أما عن أمه جيني تي شيف، جيني بوير، فهي تنتمي لأسرة تسري في دمائها الموهبة الموسيقية ، كانت هي وشقيقاتها شأن غالبية مواطني فيينا - عاصمة الألحان وكعبة الموسيقى - عازفات ماهرات على البيانو، أختها الكبرى وأبناؤها الثلاثة عازفون محترفون. وقد لعبت الموسيقى دورا كبيرا في حياة الابن بوبر، فهو أيضا عازف على البيانو، ومتذوق عميق لها، مما ساعد في صقل شخصيته وإرهاف مشاعره، ويخبرنا في تفصيلات مسهبة كيف أن الموسيقى الأوروبية البوليفونية كانت ملهمة ببعض توجهاته الفكرية. ولم يسلم بوبر الروح إلا بعد أن حقق حلم حياته وقام بتأليف قطعة موسيقية وهو في التسعين من عمره!
والحق أن كل ما في سيرة الفيلسوف مدعاة للإجلال والإكبار، فهو ذو حس إنساني رفيع، شديد التعاطف مع مظاهر البؤس والحرمان والشقاء، وكانت منتشرة في أحياء فيينا الفقيرة - نتيجة حرب أهلية - إبان صبا الفيلسوف، وكان أول حب خفق له قلبه - وهو طفل صغير يرفل في الخامسة من عمره - لطفلة صغيرة في روضة أطفال ذهب إليها مرة واحدة، برؤية وجهها انفطر قلب الطفل بوبر، وهو لا يدري: ألروعة ابتسامتها الأخاذة؟ أم لمأساة كف بصرها؟