تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تستند فلسفة بوبر بأسرها على أن الخاصة المنطقية المميزة للعلم التجريبي هي إمكانية تكذيب عباراته، هي قابليته المستمرة للمواجهة مع الواقع والوقائع، للنقد والمراجعة واكتشاف الأخطاء وبالتالي التصويب والاقتراب الأكثر من الصدق، التقدم المستمر. بهذا علمنا كارل بوبر كيف تكون فلسفة العلم هي منطق قابليته المستمرة للتقدم، بحيث تكون قواعد البحث العلمي قواعد مباراة هي من حيث المبدأ بلا نهاية، أما العالم الذي يقرر يوما ما أن العبارات العلمية أصبحت لا تستدعي أية اختبارات أخرى ويمكن أن نعتبرها متحققة بصورة نهائية، فإنه ينسحب من المباراة؛ لذا فنحن لسنا في حاجة إلى منطق للتبرير والتحقق أو المواءمة، بقدر ما نحن في حاجة إلى منطق للكشف والتقدم المستمر.

لاحظ بوبر أن كل فلاسفة العلم منذ جون ستيوارت مل، بل كل فلاسفة المعرفة التجريبية منذ ديفيد هيوم حتى ماخ والوضعيين والأداتيين على السواء، ينظرون إلى المعرفة العلمية بوصفها حقائق مثبتة مؤسسة فينشغلون بتبريرها. وصمم بوبر على إحراز الخطوة الأبعد، وأكد أنه على عكسهم جميعا لا يعنى البتة بتبرير المعرفة العلمية أو حدود صدقها وصحتها، بل يعنى فقط بمشكلة نمو المعرفة وكيفية تقدمها، فيصوب الأنظار إلى منطق الكشف العلمي واللحظة الدراماتيكية الكبرى المتمخضة عن الجديد، لحظة التكذيب والتفنيد، في إطار من معالجة منطقية منهجية بالغة الدقة والإحكام، بحيث كانت النظرة البوبرية أقدر من سواها على طرح المعرفة العلمية بوصفها قابلة للاختبار البين ذاتي، أي الموضوعي، كمعرفة ديناميكية متحركة لا ثبات ولا جمود فيها. يرى بوبر أن المعرفة على العموم والمعرفة العلمية على أخص الخصوص بناء صميم طبيعته الصيرورة، التقدم المستمر. فلا تكون نظرية العلم نظرية في تبريره، بل في أسلوب هذه الصيرورة أو كيفية التقدم المستمر. الأسلوب أو الكيفية هو ما يعرف بالمنهج العلمي، ومن ثم تكون نظرية العلم أو فلسفة العلم هي نظرية المنهج العلمي، هي ذاتها منطق الكشف العلمي.

أتت فلسفة بوبر رائدة قادرة على دفع فلسفة العلم إلى آفاق أبعد؛ لأنها انطلقت من موقف الاستيعاب والاستشراف لآفاق ثورة العلم العظمى، ثورة الكوانتم والنسبية، بعقل تحرر تماما من رواسب المرحلة النيوتونية الحتمية، فاستطاع بوبر أن يقدم صياغة دقيقة لمنطق الكشف العلمي في أعقد وأدق تفصيلاته حققت استفادة بالغة من تقنيات المنطق الرياضي. وما دام بوبر يؤكد أن منطق العلم ومنهجه وجهان لعملة واحدة، كان من الطبيعي أن تنصب فلسفته الرائدة للعلم في إطار نظرية منهجية.

وتتفق الأطراف المعنية على أن كارل بوبر فيلسوف المنهج العلمي الأول وبغير منازع على هذه الأولوية. وفي نهاية القرن العشرين يقول واحد من علماء الفيزياء النظرية، بتعبير بليغ حقا: «إن كارل بوبر هو المفرد العلم الذي يشار إليه بالبنان حين طرح السؤال عن المنهج العلمي.»

1

كما قال عالم الفلك الإنجليزي سير هيرمان بوندي

H. Bondi : «إن العلم ببساطة ليس شيئا أكثر من منهجه، وليس منهجه شيئا أكثر مما قاله بوبر.»

2

هذا بخلاف علماء حصلوا على جائزة نوبل أمثال جاك مونو وبيتر مدوار

P. Medawar

وسيرجون إكسلز

J. Eccles

أكدوا على أهمية الاسترشاد بفلسفة بوبر للمنهج العلمي، وكانت نصيحتهم للعلماء الشبان أن يقرءوا ويتدبروا كتابات بوبر في فلسفة العلم. نخص منهم بالذكر جون إكسلز الذي وقف في حفل استلامه لجائزة نوبل في البيولوجيا يوضح القوة التحررية العظيمة التي يكتسبها ذهن العالم بفضل تمثل نظرية بوبر في المنهج العلمي؛ ليتخلص من فكرة محببة ثبت عقمها ويستقبل بفعالية فكرة جديدة مثمرة. وفي النهاية أخرج إكسلز بمشاركة بوبر كتاب «النفس ودماغها 1977م»، حيث يبحثان مشكلة العقل والمادة والتفاعل بينهما عن طريق تأكيد لعنصر بيولوجي قوي في فلسفة بوبر يستحق أن نبرزه الآن؛ إذ يمثل بوبر الاتجاه العام لفلسفة العلم في القرن العشرين من حيث إن الفيزياء هي محورها والمثال الأعلى للمعرفة العلمية التي نريد أن نفلسفها.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٦٦