تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وثمة مناقشات أخرى حول طبيعة الكائنات التي ينطبق عليها المعيار، أهي القضايا أم الجمل أم العبارات؟ إذا كان يطبق على القضايا، فإن القضية بحكم تعريفها المنطقي هي ما يوصف بالصدق أو الكذب، فهي لا بد وأن يكون لها معنى خبري نبحث عن صدقه، فكيف نجعل إمكانية التحقق - التي قد تكون أو لا تكون - في ذات الهوية مع المعنى؟ وعلى أحسن الفروض يكون هذا المعيار الذي يبحث عن المعنى زائدا ولا ضرورة له، على أساس أن السؤال الذي وضع للإجابة عليه لا بد وأن يكون مجابا قبل أن نفكر في تطبيق المبدأ. وأبرز من دافعوا عن هذا، الفيلسوف البريطاني ألفرد جوليوس أير (1910-1989م) الذي قام باستيراد الوضعية المنطقية من فيينا إلى بريطانيا ... وقد حاول درء هذا الاتهام بتقديم مصطلحات فنية يمكن عرضها على هذا النحو:

الجملة

Sentence :

هي أية صورة للكلمات تراعي القواعد النحوية للغة.

العبارة

Statement :

كل جملة دلالية

indicative ، أي إخبارية، سواء أكان لها معنى أم لا، تبعا لمفهوم الوضعية للمعنى. وعلى هذا فأي جملتين خبريتين يمكن أن تترجم الواحدة منهما للأخرى، يعبران عن عبارة واحدة.

القضية

Proposition :

هي العبارة التي لها معنى حرفي، أيضا تبعا لمفهوم الوضعية للمعنى. وعلى هذا تكون القضايا فئة فرعية للعبارات، كما يوضح الرسم:

ويكون التحقق معيارا لتمييز العبارات التي تنمي لفئة القضايا عن تلك التي لا تنتمي لها، متخذا الصورة الآتية: «تكون العبارة ذات معنى حرفي فقط إذا ما كانت تحليلية أو كانت ممكنة التحقق تجريبيا.»

37

ونلاحظ أن التعديل الوحيد هو استبدال مصطلح عبارة بمصطلح جملة، وآير فعلا يحل المشكلة كما لو كانت اصطلاحية بحتة، وليس هذا غريبا من فيلسوف تبنى مذهبا لغويا متطرفا.

ومن المناقشات التي أثيرت في وجه المعيار أن القضايا قد تكون غير قابلة للتحقق، إما لأننا لا نستطيع التحقق منها في اللحظة الراهنة، أو لأننا لا نستطيع التفكير في طريقة للتحقق منها، أو لأنه من المستحيل علينا فيزيائيا التحقق منها، أو لأننا نستبعد أية محاولة للتحقق منها لأسباب منطقية بحتة. فأي وجه من هذه الوجوه لعدم القابلية للتحقق يحمل معه الخلو من المعنى؟ فالقضية قد تكون علمية تجريبية، ولكنها مستحيلة التحقق - الآن على الأقل - مثل: «ثمة جبال على كوكب أورانوس» ويستحيل أن نذهب إلى أورانوس لنتحقق منها. لحل هذه المشكلة ميز الوضعيون بين التحقق المباشر، وهو للقضايا التي تقرر شيئا ما حول المدركات الحالية، والتحقق غير المباشر لبقية القضايا العلمية ذات المعنى.

38

وقريب من هذا ما فعله آير حين اقترح التفرقة بين: التحقق بالمعنى القوي وهو الفوري والحاسم والقاطع، والتحقق بالمعنى الضعيف، كمجرد إمكانية وليست استحالة. وهذا هو فقط المطلوب من العلم البحت.

غير أن هناك مشكلة معينة على درجة كبيرة من الأهمية، وهي أن قوانين العلم بطبيعة الحال مستحيلة التحقق؛ إذ ليست هناك أية مجموعة من الخبرات يكون اكتسابها مكافئا لصدق قانون علمي. وقد تنبه فتجنشتين إلى هذا مقدما في رسالته، فأكد أثناء بحثه للمنزلة المنطقية للقضايا العلمية على أن الكثير من العبارات العامة في العلم لا تحتاج إلى معاملتها على أنها دالات صدق للقضايا الأولية؛ لأنها ليست تجريبية، وبالتالي ليست قضايا بالمعنى الدقيق، هي على الأصح توصيات بمنهج لتمثيل فئة معينة من الظواهر.

39

وكان حل شليك قريبا من حل أستاذه وصديقه فتجنشتين، فقد ادعى أن القوانين العلمية ليست عبارات، بل هي قواعد أو رخص للاستدلال، غير أن كارناب ونويرات اعترضا على هذا؛ لأن القواعد لا يمكن اختبارها أو تكذيبها، وما هكذا قوانين العلم. وقد كان هذا الخلاف بشأن القوانين العلمية، واعتبار أنها ليست قضايا ورفض البعض لهذا فيصلا في تاريخ الوضعية قسمها، أو قسم جماعة فيينا على ذاتها إلى شعبتين.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٥٣