8
هكذا نلاحظ التطابق بين التفكير والنطق أو اللغة كقوة مميزة للإنسان، فيغدو المنطق في ذات الهوية مع التفكير ومع اللغة، وحينما أصبح المنطق الرياضي عصبا لفلسفة القرن العشرين اتجهت هذه الفلسفة بقوة نحو الاهتمام باللغة، وأصبحت فلسفة اللغة من محاورها.
في دفع الفلسفة نحو الاتجاه اللغوي، ربما تكاتفت مع المنطق فروع أخرى لعلوم نهضت في القرن العشرين من قبيل اللغويات النظرية وعلوم الكومبيوتر ودراسة الذكاء الاصطناعي وتشغيل برامج المعلومات، بيد أن دور المناطقة الرياضيين كان العلة الفاعلة بلا شك. ألم يتضح أن الرياضيات ليست حقائق ووقائع ميتافيزيقية كامنة في الما وراء، بل هي محض لغة للتعبير الدقيق؟! ثم تحمل الحركة التحليلية وفيلسوفها رسل فلسفة اللغة على كواهلها، مما يعني ارتباطا بالمدرسة المنطقية في أصول الرياضيات. في منتصف القرن العشرين اتضح الدور الكبير لجوتلوب فريجة كفيلسوف لغة. ربما لم يكن لديفيد هيلبرت دور في فلسفة اللغة، لكن الاتجاه الحدسي مع بروور - فيما يرى فون رايت - لعب دورا غير مباشر، فهجوم بروور على النزعة الصورية لهيلبرت هو بشكل ما نقد للغة في اتصالها بالحدوس الكامنة خلف التفكير الرياضي، والتي تشكل أصول الرياضيات كما يرى الحدسيون. هكذا تبدو مختلف المدارس في أصول الرياضيات والمنطق الرياضي وهي تدفع الفلسفة نحو اللغة، حتى أصبحت مناط ثورة فلسفية في القرن العشرين. معظم تياراته الفلسفية تهتم باللغة ولم تعد تسلم بها كوسيط شفاف للتعبير والتواصل، وكأنها اكتشفت فجأة أن عدسات النظارة التي ننظر بها دائما محتاجة لجلو وتنظيف.
وهنا يتقدم الفيلسوف النمساوي لودفيج فتجنشتين
L. Wittgenstein (1889-1951م) بوصفه صاحب الأثر الواسع والعميق في صبغ فلسفة القرن العشرين بالصبغة المنطقية، تقنينا وتنضيدا للغة، وإحكاما وضبطا للتفكير بواسطة قصر اللغة على صياغة العبارات التجريبية والعلاقات المنطقية. فيمثل فتجنشتين نقطة التقاء الخطوط السابقة، المد التجريبي والمنطق الرياضي كعصب الفلسفة وكيف يتبوأر تلاقيهما معا وتفاعلهما في التجريبية وهي تتمنطق في شكل فلسفة للغة.
كان فتجنشتين يدرس هندسة الطيران والملاحة الجوية، اجتذبته الرياضيات في سياق دراسته الهندسية، وانكب على الرياضيات البحتة وألحت عليه التساؤلات بشأن أصولها. أرشده أساتذته إلى كتاب «برنكبيا ماتماتيكا» الذي دفعه إلى دراسة أعمال فريجه، سافر فتجنشتين إلى يينا
Jena
في ألمانيا عام 1911م؛ لكي يناقش أصول الرياضيات مع فريجه، فنصحه بالدراسة في كمبردج على يد برتراند رسل. هكذا شد فتجنشتين الرحال إلى إنجلترا والتحق بكلية تيرنتي في كمبردج لينتقل من أصول الرياضيات إلى المنطق، ويتفرغ بقية حياته للفلسفة، عازفا عن إمكانياته المهنية الهندسية ومتنازلا عن ثروة طائلة ورثها ومعرضا عن الزواج ... إلخ. هذا لكي يتكرس تماما لثورة المنطق الرياضي في المملكة التجريبية كما تمخضت عن فلسفة اللغة التي ستلعب دورا كبيرا في فلسفة العلم.
نمت بينه وبين أستاذه برتراند رسل صداقة عميقة ورفقة فلسفية ثمينة، أثمرت ثمرا وفيرا في مضمار الفلسفة التحليلية. في أوائل العشرينيات صدر كتاب فتجنشتين «الرسالة المنطقية الفلسفية»، ترجم توا إلى اللغة الإنجليزية ثم ترجم مرارا وتكرارا، ويظل من أهم النصوص الفلسفية في القرن العشرين، ومن أقوى الموجهات التي أثرت على فلسفة العلم. إنه كتاب شديد التميز، عباراته قصيرة حادة مركزة قاطعة حاسمة مرقمة بدقة، لا يمكن قراءتها بسرعة أو فهمها بسهولة.
كان فتجنشتين نموذجا لفئة المنطقي/الفيلسوف، بل هو حاد في الاتسام بالسمة المنطقية. الفلسفة في عرفه إما هي منطقية أو أنها لا شيء وقول فارغ يخلو من المعنى، بله الجدوى. قام بدوره في تطوير وسائل المنطق الرياضي من قبيل قوائم الصدق، ودوال الصدق التكرارية (انظرها في الفصل