18
وظهر الانشغال بمصطلح البدائية وتحديده وإعادة تعريفه، حتى اقترح البعض - عام 1948م - نبذه وإحلال مصطلح اللاكتابية
Non-Literal
محل البدائية.
إن هذه الثورة هي الطريق الذي شقته الأنثروبولوجيا نحو مرحلتها الأحدث الأكثر تحررا من التشويه الأيديولوجي، أي الأكثر موضوعية وعلمية. فتبعا لمنطق العلم تحرر العلم من التشويه الأيديولوجي يسير طرديا مع تنامي ونضج المنهج فيه، وأيضا سوف يواجهنا هذا النضج المتحرر من التشويه الأيديولوجي مرة أخرى حين نتعرض للعلم عبر الحضارات.
لقد كان بريل وزملاؤه التطوريون فلاسفة نظريين أكثر منهم علماء متخصصين، فلم يقوموا بأي بحث حقلي ميداني، واعتمد بريل على مادة سبق أن جمعها من قبل الرحالة والمبشرون. ومع نمو العلم وإلحاح المنهج العلمي التجريبي بات واضحا أنه إذا كان للأنثروبولوجيا أن تصبح علما متقدما فلا بد أن يجمع الأنثروبولوجيون الملاحظات بأنفسهم، وأصبحت مناهج الأنثروبولوجيا تفرق بين أساليب دارسي الحضارات الراهنة المعتمدة على الأثنوجرافيا والأثنولوجي «أي دراسة الأنماط والأنساق الثقافية»، وبين أساليب دارسي الحضارات الماضية والبائدة التي تعتمد على الأركيولوجيا «علم الآثار». والبحث عن الأصول الأنثروبولوجية لظاهرة العلم إنما هو - إلى حد كبير - مع هؤلاء «الذين تطورت مناهجهم لجمع المعطيات الأركيولوجية تطورا كبيرا»،
19
واستطاعت الكشوف الأركيولوجية أن تملأ كثيرا من الفجوات التي كانت تعيب معرفة الأنثروبولوجيين، فأسهمت بشكل فعال في القضاء على الفكرة التي سادت في القرن التاسع عشر عن تطور الحضارة خلال مراحل متمايزة ومستقلة، وبذلك «ظهرت الحضارة على أنها عملية مستمرة ومتصلة، وإذا كانت هناك فترات انتقالية للمظاهر الحضارية الكبرى، فإن هذه الفترات ليست حدودا فاصلة بين مراحل متمايزة كل التمايز بقدر ما هي حالات من التغير المتسارع التي تمهد لظهور حلقات حضارية جديدة ضمن تلك العملية الواحدة المتصلة، وأن الحلقات الجديدة إنما تقوم وتنبعث عن الأوضاع والأحوال التي سبقتها في الوجود»،
20
وعلى هذا يمكن النظر إلى تاريخ العلم كعملية متصلة بدأت ببداية الحضارة وتنتهي بقيام الساعة، تتباطأ حينا وتتسارع حينا.
ومن الناحية الأخرى تطور علم الأنثروبولوجيا بالبحوث الميدانية الحقلية التي تعتمد على الاتصال المباشر بالثقافات البدائية وإدراك أنها ببساطة ثقافات إنسانية، فانزاحت النظرة إليها بوصفها رواسب أو بقايا مراحل منحطة وأدنى، ملغاة تماما بفضل التقدم الحضاري، ولم يعد متآلفا مع النظرة العلمية إلغاء الماضي أو نفي الآخر بناء على تقدم الحاضر ورقي الأنا، أو حتى الحكم عليه بأنه همجي وحشي، فلا بد وأنه يملك رصيده - وإن تواضع - من مبدئيات النظرة العلمية. لقد تدخلت النسبوية
Relativism
21
الثقافية التي تعطي لكل حضارة قيمتها بالنسبة لظروفها ولعصرها.
وفي حدوث هذا التقدم الجوهري للأنثروبولوجيا، والذي يضرب بسهمه في الطرح المتكامل لتاريخ العلم، يكون من الملائم تماما أن نختم الحديث بالوقوف مع الرائد العظيم، عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الإنجليزي ذي الأصول البولندية برنسلو مالينوفسكي
B. Malinowski (1884-1942م)، فجهوده العلمية الرصينة ساهمت في دفع الأنثروبولوجيا وإرساء علميتها، بقدر ما ساهمت في إرساء دراسة الأصول الأنثروبولوجية لظاهرة العلم. ولا غرو، فقد بدأ مالينوفسكي حياته الجامعية بدراسة الرياضيات والفيزياء، وبعد أن أبلى فيهما اجتذبته العلوم الإنسانية.
إن مالينوفسكي رائد، نظريا وتطبيقيا، فهو رائد بارز من رواد النظرية البنائية الوظيفية
Structural Functionalism
في علم الاجتماع التي تدرس الحياة الاجتماعية أو الثقافية كبنية ذات علاقات متبادلة بين جوانبها أو مؤسساتها العديدة، كالجانب التربوي والدين والقيم والاقتصاد وأنساق المعرفة والقانون ونظم الثواب والعقاب ... إلخ، وكل جانب أو مؤسسة يدرس على أساس الوظيفة التي يؤديها. إن النظرة الوظيفية إلى كل مؤسسة تساهم في إماطة اللثام عن نسبوية الثقافات، مما يفتح الطريق أمام إزاحة العنصرية والتعالي الأوروبي وأمثال تلك التوجهات الآتية من التشويه الأيديولوجي.