تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويأتي الحسم من أن الفلسفة بأسرها تنقسم بصفة مبدئية إلى تياري المادية التجريبية والمثالية العقلية. وقد شهد العام 1900م صدور أعمال فلسفية رائدة وتكاثفا لمد فلسفي سوف يتنامى ليزيح المثالية لحساب التيار التجريبي، ويغدو تقلص نفوذ المثالية الميتافيزيقية الخالصة من المعالم المميزة لفلسفة القرن العشرين. ويمثل تطور مد التجريبية وعلو شأنها - كما وكيفا - أهم عناصر الالتقاء بين الفلسفة والعلم.

كما لاحظنا مما سبق، كانت التجريبية دائما تمثيلا عاما لروح العلم. والتجريبية المتطورة المتبصرة في القرن العشرين أكثر تمثيلا لروح العلم. وهناك مبررات قوية لاعتبار فلسفة العلم فلسفة تجريبية، من حيث هي فلسفة للعلوم الإخبارية، الفيزيوكيماوية والحيوية والعلوم الإنسانية التي تحذو هذا الحذو وتضطلع بالإخبار عن الواقع التجريبي. وأقوى مواطن تميز ونجاح العلم الحديث دخول الرياضيات التطبيقية في صلبه، كلغة للإخبار عن الواقع وأداة للاستنباط الدقيق الولود. أما المشاكل الفلسفية للرياضيات البحتة وأصولها فهي أكثر ارتباطا بالمنطق منها بفلسفة العلم. وقد رأينا كيف تطور مفهوم المادة ودور التجربة في فيزياء القرن العشرين، وحتى السبعينيات منه كان الأمر محسوما لصالح الفيزياء بوصفها أنجح وأقوى ضروب المعرفة التي امتلكها الإنسان، وبات ينظر إلى علماء الفيزياء على أنهم في عتاد الأمن القومي. ولئن شهد العقدان الأخيران رجحان كفة علوم الحاسب الآلي والمعلومات، فإن الفيزياء تظل طرازا معرفيا رفيعا ومرتبة عالية ارتقى إليها العقل الإنساني، وارتقى تصوره للتجريبية إلى درجة تمثل قطعا معرفيا عن ما سبق، واتضح في ضوئها الصورة الحقيقية الخلاقة للتكامل والتآزر بين العقل والحواس، أو الفرض والملاحظة، فاكتسبت السمة العلمية والتجريبية قوة توجيهية كبيرة للفكر الفلسفي في القرن العشرين. وبجانب فلسفة العلم التي غدت أبرز فروع الفلسفة، أصبحت معظم التيارات الكبرى في فلسفة القرن العشرين توصف بأنها «فلسفات علمية» مما يعكس المد الكبير للتجريبية. فلسفة العلم موضوعها ظاهرة العلم الحديث، أما الفلسفة العلمية فتبحث الموضوعات الأخرى التقليدية للفلسفة، لكن بأسلوب جديد يقتبس روح العلم وطابعه، خصوصا كما يتمثل أساسا في تجريبية القرن العشرين المتطورة بأبعادها الجديدة. أجل، موضوعنا هو فلسفة العلم وليس الفلسفة العلمية، بيد أن التجريبية نقطة التقاء وأرضية مشتركة؛ لذلك سنحاول الآن رسم تخطيط عام لهذه الأراضي، أي نتتبع مد التجريبية، مما يساهم في اكتمال أطر الصورة العامة لفلسفة العلم، وتبرير موقعها الريادي في فلسفة القرن العشرين.

في مقال لبرتراند رسل بعنوان «فلسفة القرن العشرين» بكتابه «مقالات شكية 1928م» يقول إنه في عام 1900م بدأت الثورة على المثالية الألمانية بعملاقيها كانط وهيجل، والتي مثلت قوة طاغية إبان القرن التاسع عشر، موازية لفلسفة العلم وللفلسفة العلمية ومحتلة لأراض على حسابهما.

لقد رأينا التجريبية العلمية العتيدة للفلسفة الإنجليزية، منذ فرنسيس بيكون ثم جون لوك وباركلي وديفيد هيوم وصولا إلى جون ستيوارت مل، ومع هذا لم تنج هي الأخرى من مد المثالية الألمانية. وفي بدايات القرن التاسع عشر انضم الشعراء والكتاب الرومانتيكيون في إنجلترا إلى زملائهم في القارة الأوروبية، واستقطبوا اتجاهات مثالية فرارا من عقلانية التنوير المفرطة وتعملق العلم الذي كان حتميا ميكانيكيا. وظهرت المثالية الألمانية في أشعار شيلي ووردزورث وكتابات توماس كارليل، واكتسبت ثقلا مع الشاعر الكبير كولريدج

S. T. Colerid (1772-1834م) الذي درس فلسفة كانط بتفاصيلها. ومع هذا كانت غزوة ضعيفة؛ لأنها تمت على أيدي هؤلاء الرومانتيكيين من الكتاب والشعراء، وجميعهم غير متخصصين في الفكر الفلسفي ولا محترفين إياه؛ لذلك سهل اندحارها على يد جون ستيوارت مل، وقد رأيناه يناصب المثالية الألمانية العداء. لكن هبت على الأراضي الإنجليزية غزوة مثالية ثانية في الثلث الأخير من القرن، افتتحها ستيرلنج

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١١٩