الاقتصاديون الكلاسيكيون لا يقيمون ليبراليتهم - أو دعوتهم للحرية الاقتصادية - على أساس العناية الإلهية الخيرة وما تبثه في الكون من قوانين طبيعية لصالح البشر، بل على أساس وجود نوع من التوافق الطبيعي بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، كفيل بتحقيق التوازن الطبيعي مهما أطلقنا الحريات؛ مثلا: الصانع يبحث عن أجر أعلى لصناعته كي يحقق مصلحته الخاصة، فيضطر لتجويدها لكي ترتفع قيمتها، فيحقق مصلحة عامة بإيجاد سلعة جيدة الصنع؛ مثال آخر: الصانع يبحث عن سرعة دورة رأس المال - عن عملاء يبيعهم بضائعه لكي يحقق مصلحته الخاصة، ولكي يجتذبهم فإنه يعمل على خفض الأسعار، فيحقق مصلحة عامة؛ وهكذا.
على هذا يمكن بل يجب إطلاق حريات الأفراد في نشاطهم الاقتصادي؛ والتوازن التلقائي الذي يكاد يمثل يدا خفية تحكم السوق، كفيل بتحقيق الانضباط المنشود، ولا حاجة لتدخل الدولة فضلا عن سيطرتها على وسائل الإنتاج.
ولكن ماذا عسى أن يكون هذا التوازن التلقائي سوى قانون طبيعي؟ وهل ثمة اختلاف حقيقي بين القانون الطبيعي والتوازن التلقائي اللهم إلا في المصطلحات؟
على أية حال أسس الاقتصاديون الكلاسيكيون علما يبحث في قوانين هذا «التوازن التلقائي»، فكان ميلاد علم الاقتصاد الحديث في بداية القرن التاسع عشر؛ ليتطور ويتشعب كثيرا، لا سيما بعد أن انضمت إليه جهود الاقتصاديين الاشتراكيين وأشهرهم بالطبع كارل ماركس؛ ليغدو الاقتصاد الآن علما ضخما واسعا متشعبا، متعدد الأصول والفروع، يستوعب الليبرالية والاشتراكية، والوسط بينهما ونقائضهما وما لا علاقة له بكليهما.
ومنذ العقود الأخيرة في القرن العشرين باتت السمة الغالبة على الليبرالية المعاصرة هي أنها تراجعت تماما عن إصرارها على ألا تتدخل الدولة إطلاقا في الأنشطة الاقتصادية، وسلم الجميع بوجوب وضع قوانين توجه الأنشطة الاقتصادية للصالح العام، وتحفظ حقوق الطبقة العاملة التي لا تملك، وأيضا حقوق المستهلكين. إنها الآن تتخذ موقفا وسطا أبعد عن الرجعية المحافظة وأقرب إلى الاشتراكية التي كانت قوة كابحة لها، بلغت مداها مع إعصار الماركسية الذي علا وخبا؛ فماذا عن هذا؟
| الاشتراكية
النظريات والمذاهب الاشتراكية عديدة مديدة، لعل أوجه الاختلاف بينها أكثر من أوجه التقارب، ربما كانت الماركسية أشهر وأهم النظريات الاشتراكية، إلا أنها ليست الأوسع انتشارا على أرض الواقع الذي يشهد صنوفا شتى من الأحزاب الاشتراكية، والتطبيقات الاشتراكية والتشريعات الاشتراكية.
فما هي الاشتراكية؟
هي نظام اجتماعي واقتصادي يحاول أن يكون عادلا بأن يقوم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، منعا لاستغلال أقلية من الملاك لأكثرية عاملة؛ قد تتخذ هذه الملكية العامة شكل ملكية الدولة، كاشتراكية كارل ماركس (1818-1883م)، أو الملكية التعاونية كاشتراكية سان سيمون (1760-1825م) في فرنسا وروبرت أوين (1771-1825م) في إنجلترا، التي تؤكد على عدم تركيز رأس المال في أيد قليلة، أو ملكية الجماعة كاشتراكية شارل فورييه (1772-1858م) الذي رأى أن الإنسان خير بطبعه وليس في حاجة إلى القمع، وأن ارتكابه للأخطاء والجرائم بسبب خلل في المجتمع وليس فيه؛ لذلك كان شارل فورييه فوضويا لا سلطويا، حارب مفهوم الدولة، وقال إن شموليتها واتساعها يقودان إلى المركزية والبيروقراطية، ورأى أن ينقسم البشر إلى جماعات صغيرة أسماها «الزمر»، تمثل كل جماعة وحدة إنتاجية تكفي احتياجات أعضائها، ويعمل كل فرد فيها بواعز من ضميره ساعات عمل قليلة، وتكون الملكية مشاعا بينهم.
ثمة أيضا الاشتراكية الفابية، وهي حركة إنجليزية تنتمي لأقدم جمعية اشتراكية في العالم، وتمثل واحدا من أقوى تيارات الاشتراكيات اللاماركسية التي ترفض الثورة الدموية والانقلاب الكلي المفاجئ إلى المجتمع الشيوعي اللاطبقي؛ وقد اتخذت اسمها نسبة إلى القائد فابيوس الذي انتصر على هانيبال عن طريق استراتيجية مؤداها ألا يهاجم الجيش ككل أبدا، بل ينتظر ريثما تأتي اللحظة المناسبة فينفرد بميمنة الجيش، حتى إذا فرغ منها وتركها حطاما انتقل إلى الميسرة ثم المقدمة وهكذا، وفي النهاية كان له النصر.