وإن بدا هذا الحديث يخوض في أوضاع ولت وانقضت، تتقدم دراسات إدوارد سعيد بإجابة شاملة على السؤال: لماذا كان الإسلام فقط هو الدين الوحيد الذي يمثل تقدمه ونهضته تهديدا خطيرا للحضارة الغربية وسطوتها وقيمها؟ •••
ومهما تحدثت الفقرة السابقة عن أوضاع ولت وانقضت، يبقى منها أن العروبة هي أرومة الإسلام، وأن الإسلام - عمود العروبة الفقري وعمادها - ليس فقط عقيدة وشريعة وتدين به أمم شتى، بل هو أيضا هوية حضارية ومنظومة ثقافية وإطار لبنية احتلت قصب السبق ورسمت معالم التقدم والمسيرة الحضارية عبر حقبة طويلة من حقب التاريخ، امتدت من القرن السابع إلى القرن الثاني عشر، وهي في حركة العلم وتقدم العقل البشري تشغل في واقع الأمر كل الفضاء الحضاري الممتد منذ انتهاء عصر العلم السكندري في مصر في القرن الأول الميلادي، أو بالكثير منذ إغلاق مدارس الفلسفة في جنوب أوروبا في القرن الخامس الميلادي وحتى بزوغ الجمهوريات الإيطالية في عصر النهضة. وعلى الرغم مما اعترى هذه البنية من وهن وشحوب وذبول، وما ألم بها من كوارث خارجية وأمراض داخلية، رغم هذا ما زالت بنية قائمة بشكل أو بآخر؛ لذا تظل مسألة الإسلام والغرب مطروحة.
لقد كان الوحي القرآني فعل توحيد فذ، مثل نقطة تحول متفردة، لم يكن استمرارا لأي مسار كان قبله، نثريا أو شعريا، إنه كما قال طه حسين - الأستاذ العميد - ليس شعرا ولا نثرا، بل قرآنا. ولعل ظهور الوحي في سيرورة الحضارة العربية/الأنا، يماثل - كما قال علي حرب في كتابه «الحقيقة والتأويل» - ظهور الفلسفة في سيرورة الحضارة الغربية، منعطف جذري وتغيير حاسم من حيث الرؤية التي أتى بها والمنهاج الذي استنه.
أجل يمثل الوحي القرآني منعطفا جذريا يحدد هوية العروبة، صحيح أن هذه المنطقة تتميز بسعة الموروث الثقافي قبل الوحي بزمان سحيق، وأمامنا في مصر الحلقة الفرعونية والحلقة القبطية، ولا تزالان ماثلتين حتى في الوجدان المسلم، ما زلنا نعيش رموزا من الحقبة الفرعونية؛ مثل شم النسيم، السبوع، الفول المدمس، ذكرى الأربعين لأن التحنيط كان يستغرق أربعين يوما، بل ما زال ثمة الحانوتي أي الحنوطي رغم اندثار التحنيط. أما الحلقة القبطية فلا يزال الفلاح المصري - سواء أكان مسلما أو مسيحيا - يعيش حتى الآن في تقويمها وينظم وقائع حياته وفقا للشهور القبطية المطابقة لمناخ مصر وبيئتها الزراعية، وشبيه بهذا
أقطار زراعية لها موروث حضاري ماثل قبل الوحي الإسلامي بزمان سحيق، كل هذا صحيح.
لكن ألم يمثل الوحي الإسلامي بسرعة غير مسبوقة دائرة حضارية استوعبت كل هذا لتتمثل مرحلة شكلت كل المسار التاريخي اللاحق للأنا؟!
ثم كانت لغوية الحدث القرآني، ونحن الأمة الوحيدة التي لا تزال تتحدث بلغة تراثها القديم وكتابها المقدس، وكما تثبت الفلسفة التحليلية المعاصرة، ليست اللغة قالبا أو وعاء يملأ بالفكر مثلما تملأ السلة بالفاكهة؛ اللغة لحمة في نسيج الفكر وخامة من خامات الوعي.
وقد مارس جلال الحدث القرآني نوعا غريبا - لعله غير مسبوق - من فقدان الذاكرة التاريخية، ترسخ بلغوية الحدث وهجران البلدان المفتوحة للغاتها القومية التي هي إطار تفاعلاتها السابقة الطويلة مع واقعها، والنسيج الذي تمثلت فيه قيمها ونواتج حضارتها. وبخلاف الأديان السماوية التي عد الإسلام ذاته امتدادا وتطويرا لها، نجد أن كل ما بقي في الوعي الجمعي من حاصل تاريخ ما قبل الوحي، إما نماذج شاخصة للطاغوت والجاهلية والشرك وما يتوجب نقضه، وإما خيالات باهتة وأمساخ شائهة لفرعون الجبار وإرم ذات العماد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. ولما تنامت حديثا البحوث التاريخية والأنثروبولوجية والأركيولوجية تجلت ذخائر أصول القوميات، أمكن استيعابها وتمثلها، ولكن في إطار ووعي كان قد استقر في إطار الظاهرة القرآنية.