تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

61

لقد أكد الخولي على أنه لا مذهبية في القرآن أبدا. وكرس لهذه القضية كتابه «في أموالهم» ليدحض القول برأسمالية الإسلام وباشتراكيته على السواء، فهذا «محاولات تلفيقية يجل عنها الإسلام، وتكلفات مغتصبة يأبى أن يشد إليها الإسلام، على حين هو يقدم من الشعور الإنساني والأصل الاجتماعي ما يدع للإنسانية حرية الفكر وحرية الممارسة وحرية التجربة.»

62

التطور أفق مثالي للإسلام، وليس مذهبا جديدا يوضع بجوار مذهب هربرت سبنسر مثلا. ومن منطلق المثالية بآفاقها الرحيبة مقابل المذهبية بحدودها التعصبية التي ينبغي طرحها عن رحاب الإسلام، يتبدى أمامنا التطور كمجرد أفق شامل للتجديد الديني، فيصادر الخولي على أن كل شيء يتغير مع الزمن في صورته ومفهومه العقلي ووقعه على النفس، وفي التعبير عنه والتمثل له. والقرآن يقرر أنه بالتغير يعامل المتغير، فيجب على المفكر الديني أن يقدر كل هذا، فيغير عرضه وتعبيراته واستدلالاته.

ويعترض الخولي على قول لشيخ الأزهر - منشور بجريدة الأهرام في 27 رمضان 1384 - يقصر فيه التطور على أحكام العبادات، وينأى به عن الأصول والعقائد. فيؤكد الخولي أن التغير والتطور سنة شاملة في الأصول: العقائد والعبادات والمعاملات، وفي هاتين الأخيرتين شريعة الإسلام هي انتخاب ما نراه أيسر عملا وأصلح للبقاء.

لقد كان التغير أمرا واقعا في الحياة الاعتقادية لعصر الإسلام الذهبي إبان القرون الهجرية الأربعة الأوائل، حيث تتكشف اختلافات، بل صراعات جمة حول العقيدة. ومن العقائد ما بلغ الاختلاف حولها حد سفك الدماء، كالذات والصفات وخلق القرآن. بالطبع ليس مثل هذا التغيير ولا موضوعاته هو المنشود أو حتى المطروح، لكنه بيان لإمكانية الاختلاف، وبالتالي قابلية التطوير والتجديد، فينتهي الخولي إلى أن «تطور العقائد ممكن، وهو اليوم واجب لحاجة الحياة إليه، وحاجة الدين إلى تقريره.»

63

هكذا كان التجديد الديني مع الخولي جذريا حقا، حتى بلغ أصول العقائد ذاتها، وهذا ما يسمى في المصطلح الفلسفي التجديد في علم الكلام، أو علم التوحيد في التسمية التي يفضلها محمد عبده. وقد كان علم الكلام دائما هو الفلسفة الإسلامية الحقة والتعبير العقلي الأصيل عن الروح الإسلامية، وفيه لا سواه نجد ما يمكن أن نسميه الأيديولوجيا الإسلامية.

64

فلئن كان أشهر ما اشتهر به الخولي هو ما سنتوقف عنده في الفصل التالي؛ أي تجديده في تفسير القرآن بمدرسته في التفسير الأدبي موضوعا موضوعا، لا سورة سورة، أو آية آية، وعلى أساس من وثيق اتصال القرآن بالحياة الإنسانية؛

65

فالمرجو أن يكون قد اتضح الآن لماذا بدا لنا أن أخطر ما في تراث الخولي، وما يستحق أن نتوقف عنده فعلا، هو هذا التجديد في الفكر الديني، والذي جعله التطور الشامل جذريا إلى أقصى الحدود، إلى أصول العقائد، إلى علم الكلام.

وذلك هو ما يلح علينا الواقع الراهن لكي نستنه في خطوطه التأصيلية التي تحققت مع الخولي. (12) التجديد: أن نكون أو لا نكون

فلم يكن ما سلف عرضا تاريخيا مصمتا لجهود الخولي التجديدية، فقط كما تحققت في إطار عصرها، بل من أجل الانتهاء إلى المتغيرات الأخيرة على مشارف القرن الحادي والعشرين، إذ تجعلنا أشد احتياجا لاستلهام روح التجديد التطوري في الفكر الديني، والتي ناضل من أجلها الشيخ الخولي.

ذلك أن أصالتنا - أو بمصطلح أفضل خصوصيتنا الحضارية - إنما يتمركز في سويدائها الدين، وكثيرا ما أشار الخولي إلى قوة البعد الديني في الشخصية المصرية، ولا يستبعد وحيا إلهيا هبط على قدماء المصريين.

66

وعلى مدار القرون الماضية احتل الإسلام المخزون النفسي للجماهير والنسيج الشعوري والإطار القيمي، بعد أن شكل دائرة خفاقة استوعبت الدوائر الحضارية الأسبق. على الإجمال الخطوط الإسلامية هي صلب شخصيتنا الحضارية وقسماتها.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ١٨