أما الترتيب في الفضل والقداسة فمسألة أخرى ولها حكم عظيمة، أعظم بكثير من وجود الهيكل أو عدمه.
حينما كانت النبوة في ذرية إبراهيم - عليه السلام - كان المسجد الأقصى محور الأحداث ومسجد الأنبياء من ذرية إسحاق، ولما أراد الله نزع النبوة والكتاب منهم، وجعلها في فرع إسماعيل اقتضت حكمته أن يولد النبي - صلى الله عليه وسلم - في البلد الحرام نفسه، حيث تعلم العرب قاطبة أنه من ذرية إسماعيل وأن يولد في العام الذي صد الله أصحاب الفيل النصارى عن بيته الحرام!
فأهل الكتاب لمَّا لم يجدوا بيتهم المزعوم -وعجزوا عن تسخير القلوب للبيوت البديلة في روما وصنعاء- سعوا إلى هدم بيت الله نفسه وسيظلون يسعون حتى يهدموه بين يدي الساعة!!
وشهد - صلى الله عليه وسلم - بناء البيت قبل النبوة، ثم بعد بعثته حين أراد ربه الكريم أن يفرض عليه أعظم شعائر الإسلام العملية (الصلوات الخمس) أسري به أولاً إلى المسجد الأقصى (وفي ذلك من العلاقة والرابطة ما فيه) وهناك صلى بالأنبياء الكرام، ومن هناك عرج به إلى السماء، وظل - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى المسجد الأقصى مع تشوقه إلى أن يصلي إلى الكعبة، وكان الأمر في مكة له مخرج بأن يجعل الكعبة بينه وبين القبلة، وتعذر ذلك حين هاجر إلى المدينة، وظل - صلى الله عليه وسلم - يستقبل المسجد الأقصى بضعة عشر شهراً، لحكمة جليلة لو كان أهل الكتاب يعقلون، فإنه - صلى الله عليه وسلم - إنما يتبع ما يوحى إليه من ربه لا ما ترغبه نفسه، كما أن في استقباله للمسجد الأقصى ما ينطق بنبوته وتعظيمه للأنبياء، وأنه على سنتهم ومنهاجهم، ثم جاءه الأمر من ربه بالتحول، فتحول إلى بيت الله الأول ومقام أبيه إبراهيم، فكان ذلك تمحيصاً للإيمان، واختياراً لهذه الأمة الوسط، وحكماً أبدياً على من لم يستقبل القبلة الجديدة ببطلان دينه، ورد عبادته، وحرمانه من اتباع