فنحن رغم معاناتنا من العدوان اليهودي الصهيوني وجرائمه، إلاَّ أننا نميل إلى الأخذ بنصيحة "ابن العربي" التي يقول فيها "لا تقيد نفسك بأية عقيدة وحيدة بحيث تكذب المعتقدات الباقية، وإلاَّ ستخسر خيراً كثيراً. بل ستخفق في التعرّف على الحقيقة الفعلية للمسألة. فالله الكليّ الوجود والقدرة ليس محدوداً في عقيدة وحيدة، لأن الله يقول "فأينما تولوا فثمَّ وجهُ الله". فكل امرئ يمجِّدُ ما يعتقده، فإلهُهُ هو مخلوقه هو، وبتمجيده إنما يمجِّدُ نفسه. وبالتالي، فإنه يوجِّه اللوم إلى المعتقدات الأخرى، ولو كان عادلاً لما فعل ذلك، لكن كراهيته مبنيَّة على الجهل" (4).
قد لا نأخذ برأي ابن العربي بحرفيته، لكننا نتفق معه قطعاً في روح التسامح التي ينطلق منها، ودعوته إلى عدم التعصب، خاصة إذا كانت غايتنا من البحث هي الوصول إلى الحقيقة التاريخية. وهذا هو أيضاً الرأي الذي تذهب إليه كارين آرمسترونغ، ربما تحت تأثير رأي ابن العربي، حين تعقب قائلة "إننا لا نرى أيّ إله سوى الاسم الشخصي الذي تكشف لنا، وأعطي وجوداً ملموساً في كل منّا. وبالتالي، فإنّ فهمنا لربنا الشخصي مشوب بالتراث الديني الذي وُلِدَ فينا. لكنَّ المتصوِّف العارف يعرفُ أن إلهنا هذا هو بكل بساطة ملاك أو رمز مُحَدَّد للإله الذي ينبغي عدم الخلط بينه وبين الحقيقة المستترة ذاتها. وبالتالي يرى جميع الأديان المختلفة تجليات صحيحة" (5).
إن "تشخيص" الإله، وهي صفة واردة في اليهودية وفي المسيحية أيضاً، أو إضفاء صفة الألوهية على ملاك أو نبيّ، لابُدَّ وأن يقود إلى الواقع الذي وصفه ابن العربي ووصفته آرمسترونغ. وربَّما بدا فرويد أكثر جرأة، وأشدَّ موضوعية، حين اختار أن يناقش ديانته هو بالذات: "اليهودية". لكنَّه لم يفكر وهو يناقشها مراجعة التقليد الإسلامي بشكل خاص، وإلاَّ لكانت استنتاجاته بصددها أكثر موضوعية.