تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي مانع يمنع المسلمين من انتشار دينهم وقد دعا إلى المساواة؟! فعنده لا فرق بين أسود وأبيض، ولا بين عربي وعجمي. وقد كان هذا سببا من أسباب انتشار الإسلام. كل ما يعوز المسلمين هو الحاجة الشديدة إلى الاجتهاد حتى يواجهوا المشاكل الحديثة بنظر جديد، وهذا عيب المسلمين لا عيب الإسلام؛ فالإسلام لم يحرم الاجتهاد بل حث عليه، وليس بصحيح ما يرمي به الأوروبيون الإسلام بالجمود، وكل عصر له مشاكله ومسائله الجديدة التي تتطلب حلا جديدا، وقد كان من ضمن وسائل التشريع الإسلامي قول الفقهاء: «العرف قاض والعادة محكمة، والأحكام تتبدل بتبدل الأزمان، والضرورات تبيح المحظورات، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن إلخ ...» •••

ومن قديم تحير المفكرون في مظهر العالم من امتزاج خيره بشره امتزاجا غريبا، وماديته بروحانيته امتزاجا عجيبا. فأما الإسلام والأديان الكبيرة، فقد حلت هذه المشكلة بالجمع بين الحياتين المادية والروحانية، وتقويم كل منهما، واعتبار الحياة الدنيا حياة لها قيمتها من غير غلو فيها، والحياة الروحية حياة لها قيمتها من غير إفراط أيضا.

إن أهم الفروق بين الإسلام والنصرانية، أن الإسلام رعا الدنيا حق رعايتها وجعل من الممكن الاحتفاظ بالحياة الروحية مع الاستمتاع بالدنيا، بينما النصرانية رأت ألا ينفتح باب السماء إلا إذا انغلق باب الأرض. ولعل سبب ذلك أن الإسلام جعل الإنسان مسئولا فقط عن عمله:

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى

و

لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، على حين أن النصرانية حملت الإنسان خطيئة آدم، وجعلته يؤمن بشر النفس الإنسانية لا بخيرها كما فعل الإسلام. وفرق آخر وهو أن المدنية الغربية جعلت من الممكن أن يرقى الإنسان بالحياة المادية فقط، من اقتصاديات وصناعات واختراعات وفلسفات، بينما الإسلام يرى أنه لا يمكن رقيه إلا بالاعتماد على الركنين جميعا: أعني الجسم والروح.

والفرق الثالث أن المسلم يعتمد في حياته على ربه، ويعتقد أن قوته هو لا تكفي ما لم تدعم بسند متين وركن شديد هو «الله» مدبر هذا العالم. أما الغربي، فيرى «الله» قد كف يده عن العالم منذ خلقه، وتركه يتطور كما يشاء وبقي في السماء، والأرض تعمل عملها. والمسلم يرى أن خالق الأرض يضع يده في كل شيء، طبقا لخطة مرسومة، معروف له هدفها، وأن المسلم مجبر على اتباع هذه القوانين شاء أو أبى.

والفرق الرابع أن إمام المدنية الإسلامية القرآن وتعاليمه التي أبناها، أما المدنية الغربية فإمامها المدنية الرومانية من جملة نواح: (1)

الاعتزاز بشخصها، واحتقار ما عداها، حتى أن العدل واجب على الروماني للروماني، لا لغيره. (2)

حب الفتح والاستعمار والاستعلاء، واستغلال البلاد المفتوحة للمصلحة الرومانية لا للمفتوحين، بينما الإسلام يرى أن البلاد المفتوحة لها ما له، وعليها ما عليه. (3)

الاهتمام بالحياة الفردية والحياة الجتماعية على السواء، وتشريعه للناحيتين على السواء. أما في المدنية الغربية، فتشجيع للحياة المادية لا إلى حد، وإهمال للحياة الروحانية لا إلى حد كذلك.

ولأن الإسلام أسس النظام الاجتماعي لأهله على أساس متين من تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفرد، وزكاة يعطي فيها الغني للفقير، وحج تجتمع فيه الأفراد المختلفة من الأقطار المختلفة، ونحو ذلك، استطاع أن يثبت ثلاثة عشر قرنا مع الزلازل القوية، ومن أكبرها غزوة التتار؛ فقد هزت الإسلام هزا عنيفا، ومع ذلك هضمهم الإسلام ولم يهضموه، في حين أن كثيرا من المدنيات لم تستطع أن تقف في وجه التيارات الجارفة التي كانت أقل من التتار.

ثم هذا الإسلام مع ضعف أهله في التبشير قد انتشر في أفريقيا مثلا انتشارا لم تنله النصرانية المدججة بالسلاح، المدعمة بالأساطيل، ولذلك أسباب أهمها بساطة العقيدة الإسلامية التي تنحصر في كلمة «لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» مما يقبله عقل الزنجي بدون عناء كبير، ثم انعدام الطبقات، وليس هناك الهوة السحيقة بين الغني والفقير؛ فالفقير يرى أن له حقا في مال الغني، والغني يفسح صدره للفقير، ثم الجنة التي رسمها الإسلام رسما بديعا مشوقا، وكل من أنصف يرى أن الوثنيين الذين أسلموا كانوا أحسن حالا منهم قبل إسلامهم فقد رقيت نفوسهم، وحسنت أخلاقهم، وأدركتهم العزة بالإسلام.

يوم الإسلام · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٨٥