تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إننا لا نقوم العلم والأدب إلا بمقدار خدمتهما للإنسانية. وأكبر عيب في المدنية الغربية أنها جعلت الشباب كالإنسان المصاب بالسرطان، تتضخم ناحية منه، ولا تتضخم الأخرى، فتضخم عقله، وضمر قلبه، فاختل توازنه.

إن المدنية الحديثة جعلت قلبه فارغا ظمآن، صقيل الوجه، كاسف الروح، مستنير العقل، كليل البصر، ضعيف اليقين، كثير اليأس، قد حاز كل أسباب السعادة إلا سعادة قلبه، قد نزعت منه عاطفة الدين، فساءت حياته في الدنيا. والشباب الشرقي على الخصوص شغفته الحضارة الغربية؛ فمد يده إلى الأجانب ليتصدقوا عليه بفتات الموائد. قد باع روحه بثمن رخيص جدا، وهي أعز شيء في الوجود، فاشترى من الغربيين عبادة المادة، وعبادة الشهوات والجاه، وأعطاهم قلبه. لقد كانت - والحق يقال - المدنية الغربية في نعومتها وبرامجها وأفكارها أقسى على الشرق من مدافعها وكل آلات قتالها، فما فعلته هذه الآلات أفسدت الناس بكل سهولة.

وكان من نتيجة تعاليمهم جبن هذا الجيل، وضعفه الخلقي، وبرودة القلب، وجفاف العين.

إن شباب اليوم قد يكون لبقا، حسن الحديث، ناصع الوجه، براق العينين، ولكن مع كل هذا ليس له قلب.

لقد كنت في الحجاز فرأيت بعض سواقي السيارات يسوقونها بعقلية الجمال، فكذلك المعلمون اليوم يربون الصقور تربية الحدأة، وأشبال الأسود تربية الغنم.

إن الإنسان إذا قوي عقله، ولم يقو قلبه؛ ثبط عن المغامرة، وفكر طويلا في العواقب، ولم يكن عنده إلا الوظيفة والعلاوات والترقيات، يحب السرور والملذات، ولا يحب احتمال المسئوليات، ويأنف التضحية التي توصله إلى غرضه، هو غمد بغير سيف، وقبة بلا شيخ، لأنه لم يعرف نفسه؛ فلم يعرف ربه. إن التربية التي نحن سائرون عليها جعلت الشباب رخوا ناعما، كأنه غادة. فأما تربيتنا على هذا النهج الذي وضعناه فيجعلهم يشقون الصخور، ويدكون الجبال.

قد كانت هذه التربية العتيقة الفارغة القلب كافية لموت الشرقيين في جيل، فكيف إذا ربوا على منهجها أجيالا وأجيالا؟! لقد كان الأدب مادة لكسب المال من الأمراء، أو الحث على لذة وضيعة، وأرقاه ما دعا إلى تذوق الجمال، ولم يعبأ بحياة القلب والروح.

ولأمر ما بعث الله رسوله محمدا أميا؛ حتى لا ينحبس نظره في الحروف والكلمات، ولاينحبس عقله في الفلسفة والمنطق. وإن رسالته لإحياء القلب أكثر منها لإحياء العقل، ويمثل ذلك قوله - تعالى:

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ، وقوله - تعالى:

إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ، ويمثل ذلك أيضا التفرقة بين العلم والحكمة، فالعلم هو مثل الذي تأتي به المدنية الحديثة، أما الحكمة فهي تصريف الأمور ووضعها في مواضعها اللائقة بها، وحكمة مع أمية خير من علم مع قراءة. وكثيرا ما نرى أخا متعلما على آخر طراز، فهذا عالم، ونرى أخاه غير المتعلم إلا الزراعة أو الصناعة أحكم منه وأحسن تصرفا فهو خير منه. والناس يبالغون في تقدير القراءة والكتابة كأنها كل شيء، والله - تعالى - يقول:

ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا .

أما برنامجنا فهو أن الأديب لا بد أن تكون له رسالة لنفع العالم، ويكون مداد قلمه نارا ملتهبة، لا إرضاء للأغنياء، ولا أداة للهو والتسلية. والأديب الذي يسير على هذا المنهج الأخير أديب منكس، أو أديب ممسوخ. إن الأدب اليوم في الشرق والغرب جعل المرأة إلها معبودا في الشعر والنثر والرواية، يغني لها، ويطيل في وصف جمالها، ويضعها في موضع القداسة، ومثل ذلك الفن، فهو يمثلها أشكالا وألوانا في الجرائد والمجلات والكتب، كأن لا موجود إلا المرأة، وهو تصوير صادق للاتجاه الحديث. كذلك الشأن في الفلسفة «انحطت حتى صارت مجرد خيالات فيما وراء المادة» والفلسفة الحقة هي التي تدخل في صميم الحياة، ليترتب عليها عمل، والتي تكتب بدم القلب وعصير الروح.

يوم الإسلام · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٨٢