تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه هي النزعة القومية التي أدت إلى الاستعمار، وتبعها أو كان أساسها التعصب الاقتصادي، فإن أوروبا قد ضاقت بأهلها وأعوزتهم المادة الخامة؛ فقصدوا إلى الشرق يستغلون ويأخذون منه موادهم الخامة المحتاجين إليها، ويصنعونها في مصانعهم ثم يبيعونها على الشرق، ويربحون من وراء ذلك الفرق بين المادة الخامة والمادة المصنوعة، ولذلك كانت كل أمة تستعمر أمة شرقية تضرب نطاقا عليها لاستغلالها اقتصاديا. فمصر والعراق والهند مثلا لإنجلترا تأخذ منها خاماتها وتصرف فيها سلعها ولها في ذلك المقام الأول. وفرنسا تفرض سيطرتها على بلاد المغرب وسوريا فاعلة ذلك أيضا. وربما كان من أهم أسباب الاستعمار الشئون الاقتصادية، ولذلك تحارب كل أمة مستعمرة انتشار الصناعة وتقدمها في الأمم المستعمرة، وتحاول أن تفهمها أنها أمة زراعية بحتة؛ حتى تعتمد الأمم المستعمرة على الأمم المستعمرة في صناعاتها.

وقد تفوق الأوروبيون في الأدوات الحربية والوسائل الاقتصادية معا، فكم من الفرق بين الجمل والقطر الحديدية، وبين المحراث والآلات الميكانيكية الزراعية وهكذا. فغلب الغربيون في ميدان الاقتصاد كما غلبوا في ميدان الحروب.

وأوهم الغربيون المسلمين أنهم ليسوا أهلا للصناعة، وإنما هم أهل زراعة، وفرضوا ضرائب كثيرة على المنتجات المحلية حتى يميتوها، ولكن بدأ المسلمون يقلدون الغربيين في الصناعة؛ فلما جاءت الحرب العالمية الثانية، وامتنع ورود كثير من السلع، وغلا بعضها الآخر غلوا فاحشا؛ تشجع الشرق على أن يتقدم في الصناعة ولا يزال المدى أمامهم فسيحا.

على كل حال كل ما نرجوه أن يتنبه الغرب؛ فيعدل عن النعرة الوطنية إلى الإنسانية، وينظر إلى المسلمين كما ينظر إلى غيرهم من الناس، ولكن هناك مطلبا آخر يطالب به المسلمون، وهو تكييفهم أنفسهم التكييف المناسب للعصر الحاضر.

نعم إن هناك فروقا اجتماعية كبيرة بين العالم الأوروبي والعالم الإسلامي؛ فالعالم الأوروبي يبني حياته على العلم والنتائج العلمية، والاستقلال، والحرية، والابتكار، ونحو ذلك، والعالم الإسلامي ينظم حياته على أساس الاتكال والخمول والاعتقاد الذي ساء في القضاء والقدر، ويطربه جدا سماع قصص تروى عن غني افتقر أو فقير اغتنى، وشيخ استولى ونحو ذلك. ونحن لا نريد أن يحذو المسلمون حذو الأوروبيين في كل شيء بل نريد أن يحذوا حذو الأوروبيين في العلوم والصناعات بحذافيرها من غير قيد ولا شرط، ولكن يحتفظون بروحانيتهم ونظرتهم إلى العالم نظرة غير النظرة الأوروبية. فالأوروبي ينظر إلى الطبيعة كأنها عدو يكافحه ليفشي سره، ولكن النظرة الإسلامية تنظر إلى الطبيعة على أنها صديق، وأنها من نتاج الرب الذي أنتجه.

والأوروبيون يضعون الله كما توضع الصورة الجميلة على الرف، لا دخل لها فيما يحدث حولها، والمسلمون يرون الله في كل شيء، في الأمور الدينية والدنيوية معا، فإذا باعوا أو اشتروا أو أجروا أو رهنوا راقبوا الله، وحتى في أصغر الأعمال كالاستياك والاغتسال، وعندهم أن النية الصادقة أقوم من العمل نفسه، وفي حديث رسولهم

صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.» وفرق بين رجلين يعملان عملا واحدا، أحدهما نوى الخير فيما يعمل، والآخر لم ينو شيئا أو نوى الشر. فهم يسيرون في حياتهم الدنيوية متأثرين بالدين، وليس الدين مقصورا على العبادات. وهذا ما ينقص الغرب، فإن وجب على المسلمين أن يقلدوا الغربيين في العلم والصناعات تقليدا تاما، ويسايروهم ويجروا معهم وجب أن يحتفظوا بنظرتهم الدينية إلى الحياة، وهي النظرة التي يتميزون بها عن الغربيين، لكن موضع السوء أن كثيرا من المسلمين - وخاصة المتنورين منهم - يريدون أن يقلدوهم تقليدا تاما في كل شيء، حتى في نظرتهم إلى الطبيعة ونظرتهم إلى الحياة. ويدعوهم إلى ذلك خطأ كبير وقعوا فيه، وهو ما عندهم من مركب النقص؛ إذ ظنوا أن الغربيين متى فاقوهم في العلم وجب أن يقلدوهم في كل شيء، وفاتهم أن المهارة في ناحية لا تقتضي المهارة في النواحي الأخرى، وأن روحانيتهم ونظرتهم إلى العالم خير من نظرة الأوروبيين ، ولا يمكن أن يفيقوا من غفلتهم إلا إذا اعتقدوا أن روحانيتهم خير للعالم كله، وأنهم إذا كانوا انحطوا في العلم والصناعة فقد سموا بالفطرة الروحانية، وأنهم إذا وجب أن يقلدوا في العلم وجب أن يقلدهم الأوروبيون في النظرة الروحانية، وليس الأوروبيون متسامين في كل شيء. ومن المؤسف أنهم حذوا حذو الأوروبيين في تعليمهم ونمط تربيتهم، فأسسوا المدارس المدنية على النمط الأوروبي، ولم يشذ عن ذلك إلا الأزهر، وقد قال أبو العلاء المعري:

يوم الإسلام · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٦٢