ثم جاء بعده عمر، وكان لونا آخر من ألوان البطولة فكان قويا عادلا مهيبا، ينال من نفسه ومن أولاده ومن الناس. والمسلمون يتصورون عمر رجلا طويل القامة، ضخم الجسم، مهيب الطلعة، عادلا حتى في نفسه وولده، بيده هراوة يضرب بها أهله، ومن خرج من المسلمين عن جادة الصواب في قليل أو كثير، وكان من أكثر ما عمله إخضاع الفرس، وإزالة دولتهم، فكان من أهم الوقائع وقعة القادسية، وهي بلدة غربي النجف، وعلى مسافة ثمانية عشر ميلا ونصف من الكوفة، وكانت وقعة حاسمة خاضها القائد المشهور المثنى بن حارثة، وقد قتل في المعركة فخلفه سعد بن أبي وقاص، كذلك تم فتح الشام والجزيرة وفلسطين ومصر على يده، وليست قيمة عمر الكبرى في فتح هذه البلاد، ولكن في وضع نظمها السياسية، والمدنية، والاجتماعية، خصوصا وأنه لم ينشأ من قوم متمدينين، حتى إن أكثر الفقهاء يعتمدون في تشريعهم الاجتماعي على التقاليد التي سنها عمر عند فتحه الفتوح.
ولما حضرت عمر بن الخطاب الوفاة عهد كما قيل إلى ستة يختار منهم خليفة، وهم: صهر النبي
صلى الله عليه وسلم
علي، وعثمان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وكان ينبغي أن يختاروا أكفأهم، ولو اختير علي أو الزبير بن العوام لتغير وجه التاريخ، ولكنهم اختاروا ألينهم، ناظرين في اختياره إلى أن العرب كانوا قد سئموا حكم عمر في شدته وهراوته، وقد سار عثمان فعلا في السنين الست الأولى سيرة عادلة رحيمة، ولكنه في الست الأخيرة كانت قد كبرت سنه، وخضع لأقاربه من الأمويين، فترك تصريف الأمور لرئيسهم مروان بن الحكم الأموي، وهذا عين جميع الأمراء الرئيسيين من الأمويين، فأغضب ذلك كثيرا من الصحابة، وخصوصا عليا والزبير وطلحة وغيرهم، فأرادوا أول الأمر أن يحرروا الخلافة من هذه السلطنة، فنصحوا عثمان بالاعتزال فأبى، ولم تمض إلا فترة قصيرة حتى كان عثمان في المدينة وليس معه إلا نفر قليل من الأصدقاء، وكان من أكبر الشخصيات البارزة في محاربته وتأليبه الناس عليه عائشة بنت أبي بكر، واستطاع خصومه جميعا أن يثيروا الأمصار عليه، واجتمع أهل المدينة حول بيته، ورفضوا أن يتزحزحوا عنه، وثار المصريون أيضا لما علموا أن كتابا كتب باسم عثمان إلى عامله عبد الله بن أبي سرح يأمره فيه بالفتك بالزعماء عند عودتهم. وأخيرا تقدم رجل من المصريين فقتله، وطالب الثائرون بتسلم القاتل فلم يجابوا، وبويع بعده علي بن أبي طالب، وقام بطلب الثأر، وتسلم القتلة معاوية بن أبي سفيان، ووقع النزاع بينه وبين علي، واختار معاوية دمشق مركزا، وكان العرب من قديم يعرفون هذه البلاد وقد تعودوا الطاعة والخضوع للأمير والملك، وكان جيش معاوية أنظم وأطوع من جيش علي الذي كان أكثره عربا لا يلتزمون طاعة ولا يؤمنون بنظام، وأخيرا وبعد وقائع كثيرة هزم علي ثم قتل، واستتب الأمر لمعاوية.
وهنا نقف وقفة عند مقتل عثمان، فقد كان حادثة مروعة حقا، مؤثرة في حياة المسلمين فيما بعد أكبر تأثير، وقد توقع بعيدو النظر السوء في المستقبل من هذه الحادثة، وأكثر فيها الشعراء، قال حسان بن ثابت:
أتركتمو غزو الدروب وراءكم
وغزوتمونا عند قبر محمد
فلبئس هدي المسلمين هديتم
ولبئس أمر الفاجر المتعمد
وقال حباب بن يزيد الهاشمي:
لعمر أبيك فلا تجزعن
لقد ذهب الخير إلا قليلا
لقد سفه الناس في دينهم
وخلى ابن عفان شرا طويلا
أعاذل كل امرئ هالك
فسيري إلى الله سيرا جميلا
وكان من أهم ما نقم الناس على عثمان أن طلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد الأموي صلة، فأعطاه أربعمائة ألف درهم، وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن نفاه رسول الله، وأعطاه مائة ألف درهم، وتصدق رسول الله بموضع سوق المدينة على المسلمين فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم، وأقطع مروان فدك، وقد كانت فاطمة طلبتها بعد وفاة أبيها، تارة بالميراث وتارة بالنحلة، فدفعت عنها. وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية، وأعطى عبد الله بن أبي السرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب، وهي من طرابلس إلى طنجة، من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين. وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف، وقد كان زوجه ابنته أم أبان. فجاء زيد بن أرقم صاحب المال بالمفاتيح، فوضعها بين يدي عثمان وبكى. فقال عثمان: أتبكي أن وصلت رحمي؟ قال: لا، ولكن أبكي؛ لأني أظنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله. والله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا. فقال: ألق المفاتيح؛ فإنا سنجد غيرك، وأتاه أبو موسى الأشعري بأموال كثيرة من العراق، فقسمها كلها في بني أمية، وزوج الحارث بن الحكم بنت عائشة فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضا، ونفى أبا ذر - رحمه الله - إلى الربدة لمناهضته لمعاوية في الشام في كنز الذهب والفضة، وضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر أضلاعه، وعدل عن طريقة عمر في إقامة الحدود، ورد المظالم، وكف الأيدي العادية، والانتصاب لسياسة الرعية، وختم ذلك كله بما وجدوه من كتابه إلى عامله بمصر يأمره فيه بقتل قادة الثورة،