وبيّن الوعيد الشديد لمن يبخل، والبخل الشرعي عبارة عن منع بذل الواجب. (1) وفيها بيان لحال البخل ووخامة عاقبته وتخطئة لأهله في توهم خيريته ففي قوله: ﴿آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ مبالغة في بيان سوء صنيعهم, وحث على بذله في سبيله, وقوله تعالى: ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ بيان لكيفية شريته أي سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق, ثم بين لهم أنه يرث منهم ما يمسكونه ولا ينفقونه في سبيله تعالى عند هلاكهم وتبقى عليهم الحسرة والندامة. (2)
5 - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا﴾ (الإسراء: 100) ومعنى الآية: قل لهم يا محمد: لو أنكم -أيها الناس -تملكون التصرف في خزائن الله، لأمسكتم خشية الإنفاق. قال ابن عباس، وقتادة: «أي الفقر» أي: خشية أن تذهبوها، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدًا؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا﴾ قال ابن عباس: «أي بخيلا منوعًا». (3)
وأما الأدلة من السنة النبوية ففيما يلي:
ورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة تنفر من الإمساك في الإنفاق والشح والبخل, وتدعو إلى الإنفاق دون تقتير أو إسراف, ومن هذه الأحاديث ما يلي:
1 - قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إياكم والظلّم، فإن الظُّلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشُحَّ، فإن الشّحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سَفَكُوا دماءهم واستَحلُّوا محارمهم)). (4) وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حذر من الشح, حيث جعله سببًا لهلاك الأمم السابق, كما أنه أيضًا سبب لقطيعة الرحم, والفجور.
قال القاضي: «يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم ويحتمل أنه هلاك الآخرة». (5)
(1) - تفسير البحر المحيط ج 3 ص 477.
(2) - تفسير أبي السعود ج 2 ص 120
(3) - تفسير ابن كثير ج 3 ص 91.
(4) - أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب البر والصلة والآداب, باب تحريم الظلم, رقم (2578) ج 4 ص 1996.
(5) - صحيح مسلم ج 4 ص 1996.