والأحاديث والآيات التي تتحدث عن قضية النية والإخلاص كثيرة لا تخفى عليكم، ولعل من حكمة الله -عز وجل- البالغة أن جعل البيت الحرام وأكنافه بوادٍ غير ذي زرع، لم يكن ذلك المحل مصيفاً يجد الناس فيه برد الهواء في وقت الحر، ولم يكن ذلك المكان متربعاً يجدون فيه خضرة وبهجة وأنساً وطرباً، إنما جعله الله -عز وجل- في بلد هو من أكثر بلاد الدنيا حراً، وليس فيه أثر لبهجة تكسو الأرض من خضرة وزينة، إنما هي أرض تحيط بها الجبال ليس فيها ما يطرب الناظرين، مما يقصده الناس لراحة بالهم، وأنس نفوسهم، ومن ثم فإنه ليس ثمت مجال لأن يذهب الواحد من أجل الفرجة ومن أجل البهجة، ومن أجل السفر إلى بلاد غناء يتنافس الناس ويتسابقون للذهاب إليها؛ لأنها من مصايفهم، ومن الروضات الغناء التي يطرب لها الناظرون ليس فيه شيء من ذلك، الذي يذهب إلى ذلك المحل يعلم جيداً إلى أين يذهب؟ يذهب إلى مكان يكثر فيه الزحام، ويحتاج معه إلى كثير من الصبر، وكتم النفوس عن شهواتها ولذاتها ومألوفاتها، وهذا أمر لا يخفى، فهل تفكرت قبل أن تدخل في الإحرام ما الذي يحركك تجاه بيت الله العتيق؟ هل تريد بذلك مقصداً دنيئاً ليقل عنك الناس أنك حاج؟ هل تقصد بذلك أن يقال: إن فلان قد حج خمسين حجة أو أربعين حجة أو عشر حجج أو غير ذلك؟ هل تريد أن تذهب من أجل أن فلاناً من الناس قد أعطاك شيئاً من المال فتحركت عزيمتك من أجل أن توفر بعضه، وأن تحج ببعضه عن غيرك؟ هل هذا هو المقصود؟ ما هو مطلوبك؟ هل فكرت؟ وهل جلست مع نفسك لتصحح نيتك؟
وصايا للحجاج · الصفحة ٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
وصايا للحجاجص ٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي