فتأخر أكثر المدعين للمحبة فقام المجاهدون , فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم , فقال: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لما عرفوا عظمة المشتري، وفضل الثمن , وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع عرفوا قدر السلعة فرأوا من أعظم الغبن بيع مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبد ٍلا يزول ولا ينفذ بصبابة عيش , وإنما هو كأضغاث أحلام , أو كطيف زار في المنام , مشوبٍ بالنغص ممزوج ٍبالغصص , وإن أضحك قليلاً أبكى كثيراً , وإن سر يوماً أحزن شهوراً , آلامه تزيد على لذاته , وأحزانه أضعاف مسراته , أوله مخاوف وآخره متالف. وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة , وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة , إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفداً , وسيق المجرمون إلى جهنم ورداً. وهكذا عقد أهل المحبة البيع بالتراضي قالوا والله لا نقيلك ولا نستقيلك فلما تم العقد وسلموا المبيع , قيل لهم: مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم ما كانت وأضعافها معاً ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
فحي على جنات عدن بقربهم ... منازلك الأولى بها كنت نازلاً
ولكن سباك الكاشحون , لأجل ذا ... وقفت على الأطلال تبكي المنازلا
فدعها رسوماً دارسات , فما بها ... مقيل , فجاوزها , فليست منازلا
رسوم عفت يفنى بها الخلق كم بها ... قتيل , وكم فيها لذا الخلق قاتلاً؟
وخذ يمنة عنها على المنهج الذي ... وقل: ساعدي , يا نفس بالصبر ساعة ... عليه سرى وفد المحبة آهلا
فما هي إلا ساعة , ثم تنقضي ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا
ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلاً
أما علامة المحبة فنذكر منها خمسة:
العلامة الأولى: إتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل أقواله وأفعاله وأحواله قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وفي هذا إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها ودليلها وعلامتها اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفائدتها وثمرتها محبه المرسل لكم فما لم تحصل المتابعة فليست محبتكم له حاصلة ومحبته لكم منتفية , فبحسب هذا الاتباع يكون منشأ هذه المحبة وثباتها وقوتها وبحسب نقصانه يكون نقصانها فبحسب هذا الاتباع يوجب المحبة والمحبوبية معاً ولا يتم الأمر إلا بهما فليس الشأن في أن تحب الله , بل الشأن في أن الله يحبك , ولا يحبك الله إلا إذا اتبعت خليله ظاهراً وباطناً , وصدقته خبرا ً, وأطعته أمراً , وأجبته دعوة ً, وآثرته طوعاً , وفنيت عن حكم غيره بحكمه وعن محبته غيرة عن الخلق بمحبته وعن طاعة غيرة بطاعته , وإن لم يكن ذلك فلا تتعنَّ وارجع من حيث شئت فالتمس نوراً فلست على شيء فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: