ومما يدل على ذلك أن الصحابة في مكة كانوا يستأذنونه في أمورهم، ولا يقضون أمراً إلا بإذنه، كما في حديث ابن عباس: (أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، قال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا ... ) [82]
إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على أن المسلمين كانوا بمكة جماعة لها إمام، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والعجيب أن الكاتب نفسه يعترف في كتابه "فقه السيرة"؛ بأن الرسول في مكة كان إماماً، إذ يقول تعليقاً على سِرِّية الدعوة في مكة: (ومن هنا ندرك أن أسلوب دعوته عليه الصلاة والسلام في هذه الفترة كان من قبيل السياسة الشرعية بوصف كونه إماماً، وليس من أعماله التبليغية عن الله تعالى بوصف كون نبياً) [83].
وهو في كتاب الجهاد يعرف أحكام الإمامة بأنها؛ (تلك التي خوطب بها أئمة المسلمين بدءاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث هو الإمام الأعلى لسائر المسلمين ... ) [84].
فهو قد أثبت له صلى الله عليه وسلم حكم الإمامة بمكة، وهذا يعني أن هناك جماعة هو إمامها.
والمقصود؛ أن المسلمين في مكة كانوا جماعة من الناس متجانسين تجمع بينهم العقيدة الواحدة، ولهم إمام واحد، فكان مقتضى فهم المؤلف لقضية الجهاد أن يشرع الجهاد في العصر المكي دفاعاً عن وجود هذه الجماعة المتميزة بأفرادها، فلما لم يشرع الجهاد في مكة؛ دل على أن العلة ليست هي وجود الدولة بمقوماتها الثلاثة أو عدمها.
خامساً:
يخلص الكاتب من محاولته السابقة إلى أن الجهاد القتالي لم يشرع يوماً لإيجاد هذا الحق، بدعوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقاتل في سبيل الحصول على دار إسلام، ولم يقاتل في سبيل بناء دولة إسلامية.
وأقول: إن كلام المؤلف هنا يناقض ما قرره هو نفسه في "فقه السيرة" حيث يقول: (أما معنى الجهاد: فهو بذل الجهد في سبيل إعلاء كلمة الله وإقامة المجتمع الإسلامي، وبذل الجهد بالقتال نوع من أنواعه، أما غايته فهو إقامة المجتمع الإسلامي وتكوين الدولة الإسلامية الصحيحة) [85].
وكلام الكاتب القديم هو الذي تدل عليه النصوص الشرعية، فإنه إذا كان الرسول لم يقاتل من أجل إقامة دولة، فإنه شرع ذلك لنا، والأحكام الشرعية لا تثبت بفعله صلى الله عليه وسلم فقط، بل تثبت بالقرآن الكريم، والسنة القولية والفعلية؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [86].
ولا شك أن من إعلاء كلمة الله؛ إيجاد دولة للمسلمين يحكمون فيها بشرع الله عز وجل.
سادساً:
يشتد نكير الكاتب في مقدمة كتابه المشار إليه على ما يسمى بـ "الفكر الإسلامي"، ويرى أن من أكبر المشكلات في حياتنا الإسلامية اليوم إحلال الفكر الإسلامي محل العلم بحقائق الإسلام والتزود من أحكامه الفقهية الثابتة.
وهو يعرف "الفكر الإسلامي" بأنه: (يشمل سائر المحاولات الثقافية والدرسية للتعرف على جانب ما من جوهر الإسلام وحقيقته، كما يشمل سائر التصورات الذاتية التي يعود بها الدارس أو الباحث، دقيقة كانت أو سطحية، بل صحيحة كانت أم باطلة) [87].
ويعرف "العلوم الإسلامية" بأنها: (كل ما يتضمنه الإسلام بيقين من العقائد والأحكام والنصوص الدالة عليها ... ) [88].
وأقول: لقد أثبت الكاتب في كتابه هذا أنه لا يبعد كثيراً عن أصحاب الفكر الذين أشار إليهم، إذ حشاه بأقوال لا تجدها في شيء من دواوين العلم الإسلامي المعروفة، فضلاً عن أن يكون لها مستند من كتاب أو سنة أو إجماع.
وهذه القضية التي أشرنا إليها مثال على ذلك، فإننا لا نعلم أحداً من السلف فهم الذي فهمه الدكتور البوطي - أعني أن الجهاد لا يكون إلا دفاعاً عن شيء موجود - وما ذكره مما اعتبره دليلاً ليس إلا تصوراً خاصاً به يُقرِّبه من أولئك الذين حمل عليهم واشتد نكيره على مسلكهم.
وأحب أن أرجع هنا إلى ما نقلناه في أوائل هذا الفصل من كلام سيد قطب؛ فإن سيداً رحمه الله محسوب عند الكثيرين على أصحاب الفكر، وأنه لم يكن من علماء الدين المتخصصين، لكنا نراه في هذه القضية أقرب إلى النصوص الشرعية من الدكتور البوطي، الذي يزعم أن كتابه هذا من قبيل كتب العلوم الإسلامية لا الفكر الإسلامي.
* * *
وذلك يتجلى في نظري في أمرين:
الأول: أنه تفطن لأصل القضية، وهو أن الحديث حينما يكون عن مراحل تشريع الجهاد والحكمة منها فإنه لا يعني الحديث عن العلة التي يدور معها الحكم وجوداً وعدماً؛ فإن العلة من القتال عند سيد رحمه الله واضحة ولا علاقة لها بقضية المراحل.
فهو يعرف أن الجهاد: (حال دائمة لا يكف معها الانطلاق الجهادي التحريري حتى يكون الدين كله لله) [89].
ولذلك فإنه يقول فيما نقلناه عنه سابقاً عن اجتهاداته تلك في موضوع الحكمة: (إنها أسباب اجتهادية تخطيء وتصيب، وتنقص وتزيد، لا نبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان) [90].
فتلمس الحكمة من مراحل تشريع الجهاد يستفاد منه في تدبر أحكام الله ومعرفة سننه سبحانه في خلقه، وقد يستأنس بها الداعية في معرفة سياسة الدعوة وتحديد أولوياتها، كل ذلك وما أشبهه ممكن، أما أن تكون تلك الحكم هي العلة من الجهاد نفسه، فإن سيداً بتوفيق من الله لم يقع في هذا الخلط الذي وقع فيه الكاتب.
الثاني: أن كلامه رحمه الله قد تحلى بالأدب الشديد مع الله، فهو يعتبر كلامه هذا مجرد اجتهاد، ولا يعتبره القول الفصل في المسألة، ويعتبر الجزم في أمر لم تجزم به النصوص نوعاً من التألي على الله، وشتان ما بين هذا المسلك ومسلك من وضع لنفسه رأياً في المسألة ثم راح ينكر على الآخرين الذين نظروا إلى قضية الضعف والقوة، مع أن النصوص الشرعية أقرب إلى هؤلاء وأبعد عنه.
[60] الجواب الصحيح (1/ 74).
[61] زاد المعاد (2/ 58).
[62] تفسير القرآن العظيم (1/ 526).
[63] المصدر السابق (3/ 226).
[64] أحكام القرآن (2/ 18).
[65] في ظلال القرآن (2/ 713 - 714).
[66] انظر الظلال (2/ 714 - 715).
[67] الجهاد في الإسلام ص: 74.
[68] المصدر السابق ص: 79.
[69] المصدر السابق ص: 76.
[70] المصدر السابق ص: 196 - 197.
[71] انظر الوجيز في أصول الفقه لعبد الكريم زيدان: ص 203.
[72] الإحكام في أصول الأحكام (3/ 291).
[73] المصدر السابق (3/ 290).
[74] أخرجه البخاري (4993).
[75] الجهاد في الإٍسلام ص: 75.
[76] مجموع الفتاوى (28/ 511).
[77] أخرجه البخاري (1147)، ومسلم (738) وأبو داود (1341) الترمذي (439) والنسائي (3/ 234) من حديث عائشة رضي الله عنها
[78] أخرجه البخاري (1007)، (4693) ومسلم (2798) والترمذي (3254).
[79] أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (1/ 289 - 290) وأخرجه أحمد (2/ 218) والبيهقي في دلائل النبوة (2/ 275) والطبري في التاريخ (2/ 332) وأورده الهيثمي في المجمع (6/ 15 - 16) وقال: "رواه أحمد وقد صرح ابن اسحاق بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح ". وقال الشيخ أحمد شاكر في شرحه على المسند (11/ 204): " إسناده صحيح: يحيى بن عروة بن الزبير ثقة وثقه النسائي وغيره وأخرج له الشيخان في الصحيحين ... ". والحديث أخرجه البخاري مختصراً (3678) (3856)، (4815) وليس عنده قوله: (قد جئتكم بالذبح) ولكنه أشار إلى رواية ابن إسحاق فقال بعد الحديث (3856): " تابعه ابن اسحاق حدثني يحيى بن عروة بن الزبير قلت لعبد الله بن عمرو ... "، وقال الحافظ في الفتح (7/ 206): " وصله أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، والبزار من طريق بكر بن سليمان كلاهما عن ابن إسحاق بهذا السند ... ".
[80] دلائل النبوة (2/ 275).
[81] الجهاد في الإسلام ص: 197.
[82] سبق تخريجه.
[83] فقه السيرة ص: 107.
[84] الجهاد في الإسلام: ص 112.
[85] فقه السيرة ص: 185.
[86] أخرجه البخاري (123) ومسلم (1904) وأبو داود (2517) والترمذي (1646) والنسائي (6/ 23) وابن ماجه (2783) من حديث أبي موسى.
[87] الجهاد في الإسلام ص: 11.
[88] المصدر السابق: نفس الصفحة.
[89] الظلال (3/ 1437).
[90] المصدر السابق (2/ 714).