المطلب الثالث
وقف المشاع
من شروط صحة الوقف أن يكون المال الموقوف مفرزاً غير شائع، والشيوع هو ما تعلقت الملكية فيه بجزء نسبي غير محدد من شيء مملوك لأكثر من واحد، كما لو اشترك اثنان في ملكية دار، لكلّ واحد منهما النصف، ولم يتفقا على إفراز نصيبهما، ولكلّ منهما حصة شائعة في الشيء المملوك، وينتهي الشيوع بالقسمة والإفراز أحياناً، أو ببيع أحد الشريكين نصيبه من الآخر، أو ما إلى ذلك من التصرفات الناقلة للملك (1).
وقد اتفق الفقهاء (2) على أنه لا يصح وقف المسجد أو المقبرة إلا بعد الإفراز والقسمة؛ لأنه لايمكن الانتفاع به فيما وقف له إلا بتخليصه من ملك الغير له، وذلك بالقسمة، ولاتصلح المهايأة الزمانية أو المكانية فيهما؛ لأنها تؤدي إلى أن يصبح ما كان مسجداً أو مقبرةً في هذا العام مزرعةً في العام القادم.
قال ابن الهمام:" وإنما اتفقوا على منع الوقف المشاع مطلقاً مسجداً ومقبرةً؛ لأنّ الشيوع يمنع خلوص الحق لله تعالى، ولأنّ اجواز وقف المشاع فيها لا يحتمل القسمة؛ لأنه يحتاج إلى التهايؤ، والتهايؤ فيه يؤدي إلى أمر مستقبح، وهو أن يكون المكان مسجداً سنة، واصطبلاً للدواب سنة، ومقبرةً عاماً ومزرعةً عاماً" (3).
والمشاع نوعان:
النوع الأول: يقبل القسمة وهو الأعيان التي ينتفع بها بعد قسمتها الانتفاع المقصود بها قبل القسمة؛ كالأراضي الزراعية، والبيت المؤلف من شقق وطوابق.
النوع الثاني: مالايقبل القسمة مع بقاء الانتفاع به على حالته المقصودة؛ كالبئر، والحمّام، والحصة في البيت الصغير، أو في آلات الحرث أو الريّ، أو السيارة (4).
واختلف الفقهاء في جواز وقف المشاع قبل الإفراز والقسمة في غير المسجد والمقبرة، وأوجز آراء الفقهاء في المسألة فيما يأتي:
اتفق الحنفية على جواز وقف المشاع الذي لا يقبل القسمة، كما اتفقوا على صحة الوقف المشاع فيما يقبل القسمة وما لا يقبل القسمة إذا حكم القاضي بصحة وقف المشاع؛ لأنه أمر مجتهد فيه، ورأي الحاكم فيه يرفع الخلاف، فإذا قضى القاضي بجوازه صح (5).
وكذلك لايبطل الوقف بالشيوع الطارىء؛ كما لووقف شخص أرضه المعلومة المفرزة، ثم ظهر استحقاق الغير في جزء منها كربعها، لايبطل الوقف، ويستمر في الثلاثة أرباع (6)، فلا يبطل الوقف إلا في الجزء المستحق للغير؛ لأنه تبيّن أنه لم يكن على ملك الواقف حين وقفه.
أمّا المشاع الذي يقبل القسمة، فقد ذهب محمد بن الحسن إلى عدم صحة وقفه إلا بعد قسمته؛ وذلك لأنّ القبض عنده شرط لتمام الوقف، لأنّ المطلوب عنده فيما يمكن قسمته وقبضه
(1) أحكام الوقف في الفقه والقانون: د. محمد سراج (ص69).
(2) مغني المحتاج (2/ 378).
(3) فتح القدير: ابن الهمام (5/ 46).
(4) أحكام الوقف في الفقه الإسلامي: د. محمد سراج (ص69). وانظر المنهل الصافي في الوقف وأحكامه: محمد أسعد الإمام الحسيني (ص28).
(5) حاشية رد المحتار (3/ 517).
(6) حاشية رد المحتار (3/ 504).