الفصل الثاني
الدعوة لوليمة العرس
شروط الدعوة وآدابها
الدعوة لا بد لها من داعٍ ومدعو، ولكل منهما شروط وآداب ينبغي مراعاتها.
أولاً: ما يشترط في الداعي:
يشترط في الداعي للوليمة الشروط الآتية (1):
الأول: أن يكون بالغًا، يصح منه الإذن والتصرف في ماله. فإن كان غير بالغ لم تلزم إجابته، ولم يجز لبطلان إذنه ورد تصرفه.
الثاني: أن يكون عاقلاً لأن المجنون لفقده التمييز أسوأ حالاً من الصغير في فساد إذنه ورد تصرفه.
الثالث: أن يكون رشيدًا يجوز تصرفه في ماله، فإن كان محجورًا عليه لم تلزم إجابته، حتى وإن أذن له وليمة؛ لأن وليه مندوب لحفظ ماله لا إتلافه.
الرابع: أن يكون حرًّا؛ لأن العبد لا يجوز تصرفه فلم تلزم إجابته لفساد إذنه. فلو أذن له سيده صار كالحر في لزوم إجابته.
الخامس: أن يكون مسلمًا تلزم موالاته في الدين.
فإذا كان الدعي ذميًّا، ففي لزوم إجابته ثلاثة أقوال:
الأول: يجب إجابته، وبهذا قال الشافعية (2) في أحد الوجهين، والحنابلة (3) في رواية.
الثاني: لا تلزم إجابته، وبهذا قال المالكية (4) والشافعية (5) في وجه آخر، والحنابلة (6) في رواية ثانية، إلا أن الحنابلة في هذه الرواية قالوا: الذمي وإن لم تلزم إجابته بيد أنها تجوز.
الثالث: تكره إجابته، وبهذا قال الإمام أحمد (7) في رواية ثالثة.
الأدلة
أولاً: أدلة القائلين بالوجوب:
استدل القائلون بالوجوب بعموم الأدلة منها:
1 - ما روي عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها» (8).
2 - وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب» (9).
فقد دلَّ الحديثان (10) بعمومها على وجوب إجابة الداعي من غير تفرقة بين مسلم وذمي.
ثانيًا: أدلة القائلين بعدم وجوب إجابة دعوة الذمي:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة والمعقول:
أ- من السنة:
ما روي أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو نحوه» (11).
فقد دلَّ (12) الحديث على أن الوليمة تراد للإكرام والموالاة وتأكيد المودة والإخاء، وذلك منتف في حق الذمي، فلم تجب على المسلم للذمي.
ب- من المعقول (13):
1 - أن المقصود من الطعام التواصل به، واختلاف الدين يمنع منه.
2 - أن طعام الذمي ربما كان مستخبثًا محرمًا؛ لأنه لا يؤمن من اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة، ونفس المسلم تعاف أكل طعامهم.
أما القائلون بعدم الوجوب ولكن يجوز فقد استدلوا:
بما روي عن أنس رضي الله عنه: أن يهوديًّا دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى خبز شعير وإهالة (14) سنخة (15) فأجابه (16).
(1) الحاوي الكبير جـ 9/ 558، 559.
(2) المصدر السابق/ 558.
(3) المبدع جـ 7/ 180، 181.
(4) حاشية الدسوقي جـ 2/ 338.
(5) الحاوي الكبير جـ 9/ 558.
(6) المبدع جـ 7/ 180.
(7) المصدر نفسه.
(8) أخرجه البخاري (فتح الباري) كتاب النكاح - باب حق إجابة الوليمة والدعوة جـ 9/ 148، 149.
(9) أخرجه مسلم (النووي) كتاب النكاح باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة. م3 9/ 234.
(10) الحاوي الكبير 9/ 558.
(11) سبق تخريجه.
(12) المغني لابن قدامة 7/ 3.
(13) الحاوي الكبير 9/ 558. المهذب 2/ 64. المغني لابن قدامة 7/ 3.
(14) الإهالة كل ما ائتدم به كالشحم والزيت. المعجم الوجيز/ 29.
(15) سنخة: الدهن والطعام سنخ إذا زنخ (إذا تغير ريحه وطعمه) المصدر نفسه/ 323.
(16) الخبر أورده الإمام أحمد في الزهد- باب في زهد النبي صلى الله عليه وسلم هامش الكافي لابن قدامة تحقيق إبراهيم بن أحمد عبد الحميد جـ 3/ 79؛ تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي جـ 4/ 167.