يوَّفيها، إلا أن الإمام أحمد نص على لزوم فورية النذر المطلق وهو المذهب (1) وفي ذلك جزاء وثواب من الله سبحانه وتعالى في قوله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (الإنسان: 7) فلقد وصفهم رب العزة بالأبرار في الآية التي سبقتها.
أما إذا نذر أن يخرج مالاً معلوماً وهو قادر عليه كأن يقول: "نذرت إن قضى اللهُ لي حاجتي أخرجت لوجهه الكريم ألف ألف" بالعملة التي نواها (2) لزمه جميعه (3) ما دُمنا في ثبات القيمة في العملة النقدية وعدم تغيّرها وتقلبها من جراء تضخمات أو انكماشات في قيميتها وكانت في استطاعته؛ أما إذا حصل ذلك التغيّر والتقلّب في العملة فعلى شكلين:
إن كانت الحالة تضخماً في قيمة العملة وما زال العبدُ قادراً على الإيفاء بالنذر فيكون هناك عدلٌ بالأداء وإحسانٌ بالإبراء والوفاء. أما العدل فعليه الذي سمّى ونوى، وأما الإحسان فأن يخرج قيمته، كما جاء عن ابن عباس أنه قال فدَين الله أحق أن يقضى (4) وفي الحديث فَحَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ (5) كما أخبر عليه الصلاة والسلام.
إن كانت الحالة معكوسة أي انكماشاً في قيمة العملة فعلى وجهين، الوجه الأول يوَّفّي الذي عليه من نذر بالقدر الذي ذكر (ما دام في استطاعته) عدلاً كما مَر. أما الوجه الثاني أن كان ما عنده لا يجزأ نذره فهو يقع ضمن ما لا يملك فلا يوفي بنذره لقوله - صلى الله عليه وسلم - " .. وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ" (6)، وفي رواية الإمام مسلم "وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ" (7). على أن إذا رجعت القيمة على ما كانت عليه قبل التغير ولم يتحرر من نذره فيكون ملزماً بالإيفاء. وإذا طال الحال والمقام وأراد المرء أن يتحرر من نذره فليهدِ هدياً، لأن النذر لا كفارة فيه إلا إذا كان في معصية فكفارته كفارة اليمين لقوله - صلى الله عليه وسلم - النَّذْرُ نَذْرَانِ فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ لِلَّهِ وَفِيهِ الْوَفَاءُ وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا وَفَاءَ فِيهِ وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ (8). أما مسألة الهدي فقد ورد في سنن الدارمي عَنْ ابن عباس أن أخت عُقبة نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْتِ فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ نَذْرِ أُخْتِكَ لِتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ هَدْيًا (9) ". والله أعلم.
(1) ... المرداوي، أبو الحسن علي بن سليمان: الإنصاف (بيروت: دار إحياء التراث العربي)، ج 3، ص 188.
(2) ... أو بالمسمى النقدي والمالي الذي قصده، كمثل الذهب ونحوه، فذاك لا تتغير قيمته النقدية على مر الزمن. فيكون إلزاماً عليه ما قدَّر.
(3) ... المرداوي: الإنصاف، ج 11، ص 129.
(4) ... الشوكاني: نيل الأوطار، ج 4، ص 321.
(5) ... أخرجه الترمذي، كتاب الصوم، برقم 716. وابن ماجه برقم 1758.
(6) ... 6700 الإيمان والنذور
(7) ... صحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم 110.
(8) ... النسائي، كتاب الإيمان والنذور برقم 3845.
(9) ... الدارمي، كتاب الإيمان والنذور برقم 2335.