قلت : فمفهوم كلام ابن القيم أنّ الواو ليست واو الثمانية ؛ فعلة دخولها أنّ كلاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم بذاته فلا يكفي واحد منهما عن الآخر, فورودها لنكتة معنوية مرادة بعينها ، لا لخصيصة من خصائص لغة العرب ، كما ذهب إليه الحريري .
كلامه عن آية سورة التحريم وهي قوله تعالى : "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيراً منكن مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيباتٍ وأبكارا" (1) .
قال عن هذه الآية : «فقيل هذه واو الثمانية لمجيئها بعد الوصف السابع. وليس كذلك ودخول الواو ههنا متعين ؛ لأنّ الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء , وأمّا وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما ؛ فتعين العطف ؛ لأنّ المقصود أنّه يزوجه بالنوعين الثيبات والأبكار » (2) .
فهو هنا يرد على القائلين بأنّها واو الثمانية ؛لأنّ العطف يقتضي المغايرة .وبهذا يتوافق مع الزمخشري بتعليل ورود الواو في هذه الآية .
وقال عن آية سورة الكهف وهي قوله تعالى : "سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم"(3).
وابن القيم هنا ـ عليه رحمة الله ـ لم ينفِ صراحةً مسمى واو الثمانية عن هذا الموضع؛ حيث قال : « قيل : وإدخال الواو ههنا لأجل الثمانية ،وهذا يحتمل أمرين أحدهما هذا » يقصد بقوله : « هذا » أي إدخال الواو: أي أنّ أحد الاحتمالين أن تكون الواو للثمانية ؛ فعبارته هنا تدل على ميله إلى القول بواو الثمانية في هذا الموضع . فعندما قال : إنّ أحد الاحتمالين هو كون الواو للثمانية فهذه موافقة منه ـ رحمه الله ـ ولكنّها ليست موافقة جازمة جزمه بآرائه السابقة؛ لأنّه صدر كلامه بعبارة التمريض « قيل » وقال أيضاً في مبدأ كلامه عن ورود واو بهذا الاسم : «ليس عليه دليل مستقيم » .
(1) التحريم : 5 .
(2) المصدرالسابق .
(3) الكهف : 22 .