التلميذ :
وما أشد عناد هذا المشعوذ في سبيل تحقيق المطامع.
أحدهما :
وما أعظم صبر الملك في سبيل هذا التاج، ولكن ما دمنا من ليلة حفلة التاج قاب قوسين أو أدنى فلننتظر، ولكل حادث حديث، فما أقصر حبل الكاذب الخائن يلبس على مليكه وعلى الناس أنه الصادق الأمين! وما أشد حقارة من هذا شأنه! وما أشد انهيار الأمم إذا ما انخدعت به وبأمثاله من المنافقين!
| الفصل الخامس والعشرون
قال الراوي: إنها ليلة التاج، في السهرة وبعد العشاء سيضع الساحر المشعوذ تاجه السحري الموعود على رأس الملك، سحره انتظار ذلك التاج، فغض النظر، وحاول أن يتجاهل كل ما بلغه عن سوء تصرفات المشعوذ وسفهه وسخفه، ولعله لم يكن يصدق ما كان يسمع عنه من أحاديث، أو ما يقرأ من تقارير، فباب وهم التاج قد سحر عينيه وأذنيه وكل حواسه، وعقد لسانه، وقيد تفكيره وأخرس شعوره، وعلى كل، فقد دنت الليلة المنتظرة الموعودة، ولم يكن يفصل الشباب عنها سوى بضع ساعات، وكانوا يتبادلون الأحاديث على الوجه التالي:
أحدهما :
أين الساحر؟ إننا لم نره اليوم.
التلميذ :
إنه مهموك في أمر التاج وليلته، حضر منذ دقائق من القصر؛ حيث أشرف على تهيئة الاحتفال بوضع التاج على رأس الملك هذه الليلة، وما دخل الدار حتى أمرني بألا أستأذن عليه لأحد، وانزوى في غرفة السحر مقفلا بابها من الداخل على عادته كلما أراد أن يهيئ أمرا خطيرا.
الثاني :
وهل انتهى من صنع التاج؟
التلميذ :
إنه ليدهشني في حكاية تاجه هذا إنني لم ألاحظ عليه أي عمل يتعلق بهذا التاج إلى اليوم، وكل ما في الأمر أنه أحضر معه الآن طبقا واسعا من ذهب، وهو طبق عالي الجوانب، مع تقعير قليل، غطاه بقطعة ثمينة من الديباج المرقش، ويدعي أنه سيضع فيه التاج.
الثاني :
ألم تسأله عن تاجه هذا؟
التلميذ :
سألته، فأجابني: إنه تاج لا يرى إلا على رأس الملك، وهذا من أسرار السحر فيه.
أحدهما :
إنه أشبه ما يكون إذن «بعرقية الإخفاء».
الثاني :
ولعل فيه أعجوبة إخفاء ذاته، ودوت القاعة بضحك الشباب وقهقهتهم، ثم أردف الثاني قائلا: وما شأن هؤلاء الناس يتجمهرون ويهزجون، وكأن حدثا سعيدا هاما سيحدث في البلاد؟
التلميذ :
ألم تعلم أنهم قد أدخل في روعهم أن هذا التاج، سيكون سعدا على المملكة، فيكون بدء عهد، كله خصب ورفاهية واطمئنان؟ فهم يتفاءلون بالخير واليمن والبركة، ثم همس قائلا: وكل ذلك بتدجيل هذا المشعوذ الكبير.
أحدهما :
نجى الله الأمة من شروره، فنفسي متشائمة، وإنني لأخشى الفتنة، وأخاف ضربة تصيب أستاذنا الحكيم ومن والاه، فإنها تحدثني بشر مستطير!
التلميذ :
لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فلنكن على استعداد للمفاجآت، ولعلها تكون مؤاتية، فننقذ البلاد من الشعوذة وذيولها، ومن التدجيل وآفاته، فالله حكيم، يمهل ولا يهمل، والعاقبة للمخلصين المجاهدين.
أحدهما :
أراك مسرفا في تفاؤلك، وكأني بك تحاول أن تتناسى هذا الصمت الذي يستولي على نفوس الشعب الثائر منذ بدأ هذا الساحر يفتنه بشعوذته، فأين اندفاع الثورة في النفوس؟ وأين مظاهر تدفقها في القلوب؟ فلا انفعال يبعثه الألم، ولا تحفز تغذيه الحماسة والأمل، وكأن الناس ولا سيما الشباب سكارى وما هم بسكارى، ولكنهم مخدرون لا يعون الواقع، اللهم إلا واقع حاجات البطن وما يلابسه، ويغفلون عن مستقبل كانوا - ولا يزالون - يدعون أنهم في سبيل تحقيقه يجدون ويكدحون ويفكرون ويتأملون، والحقيقة أنهم لا يعرفون ماذا يريدون، فلا يزالون في تيههم يعيثون.
التلميذ :
لا تبتئس يا أخي ولا تيأس، إنه الوجوم، وجوم شعب ينتظر، خدعوه بالتاج وبفعله السحري في إصلاح حاله وتحقيق رفاهه ورغده، فخدع وصدق، ودفعه الأمل لانتظار العجائب، وهل نحن في زمن المعجزات؟ الشعب يريد تحسين أحواله، ويرغب في الحصول على حاجاته، ولا يزال يعلق آماله على من يعده، حتى ييأس فينهار، أو يعي، وإذا ما وعى كانت الثورة، ولا فرق لدى الشعب أكان الإنقاذ عن طريق حكومته أو عن طريق الثائرين، ولكنه لا يكاد يقنط من الحكومة، وينجلي له انخداعه بالاتكال عليها حتى يثور مع الثائرين، وإنني لمتفائل بأن هذ الليلة ستكون ليلة انكشاف خداع الشعوذة، ولعلها ستكون ليلة الإنقاذ.