تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعتذر الشابان عن قبول دعوة المشعوذ للعشاء؛ لأنهما بشوق إلى ذويهما، وهم لا يعلمون عنهما شيئا، فودعهما الساحر بحرارة محفزا فيهما الهمة على ملازمة الشاب التلميذ، وقد صحبهما هذا إلى الباب مودعا، وأوصاهما بما يجب قوله للأستاذ الحكيم، ثم عاد إلى أستاذه مرحا طربا، فتوهمه هذا مظهرا لنجاحه في إخراج الشياطين، فالتفت إلى تلميذه وخاطبه متمثلا بالمثل المشهور: «كل فتاة بأبيها معجبة»، فابتسم الشاب وقال: أفلا يحق لي أن أفرح وأمرح، وأستاذي لا يني في تقديم عجائبه المعجزة كل يوم؟! فابتسم الساحر ابتسامة المعجب بنفسه، قال: وكيف بك عندما تتحقق أعجوبة التاج؟!

التلميذ :

وأي تاج هذا؟!

الساحر :

سأصنع للملك تاجا سحريا ليس له في العالم مثيل، عجز عنه الأوائل، وسيكون له ذكر خالد في المتأخرين، (وأمسك الساحر عن ذكر ما زعمه من خاصية التاج في كشف أبناء الحرام ضنا بها من التبذل، وإنه ليريدها أن تظل سرا بينه وبين الملك، وربما أشرك في معرفة ذلك وزير الميمنة وحده إلى أن يحين الأوان بعد ستة أشهر طبعا).

التلميذ :

شأن مولاي عجيب، ومتى كان صائغا للتيجان؟

الساحر :

لا يعجز العالم، ولا سيما متى كان ساحرا، أي عمل.

التلميذ :

والاختصاص الذي تدعون إليه دائما وتؤيدونه؟

الساحر :

هي كلمة نستغل بها المغفلين، فإذا منحنا الاختصاص حقه، وانتظمت الأمور، فماذا يبقى للسحر ليظل قادرا على كل شيء؟ ومسيطرا على الجميع؟

التلميذ :

فالسحر إذن استغلال وسيطرة؟

الساحر :

وماذا عساه أن يكون؟ أتريد أن يكون الساحر كذلك المأفون المغفل، أستاذ صاحبيك الشابين، يقضي الوقت بالإرشاد والتوجيه وإلقاء الدروس، ويظل فقيرا لا يأبه للسيطرة والسلطان؟ مسكين ذلك الأستاذ الذي يلقبونه بالحكيم، إنه عالم ذكي، كان باستطاعته أن يثري، وأن يكون من أرباب المناصب العالية المرموقة، ولكنها الغفلة تسيطر على نفسه، فيتوهم أنه يستطيع أن ينهض بالشعب ليصبح سيد نفسه، وأنى للشعوب أن تنهض؟ إنها خلقت مستغلا للأذكياء الأقوياء، ومن يضيع وقته في خدمة الشعب لا يربح سوى فقدان فرص الاستغلال، فالعاقل من يعمل لنفسه، ويترك الشعب في عماه، يتخبط في دياجير الاستعباد والفقر والجهل والذل، يضحكني ويؤلمني معا أمر أولئك السخفاء من الأدباء والعلماء، إنهم يستطيعون أن يمتصوا - بما يمنحهم العلم والأدب من فهم وبيان - دماء الناس وأموالهم فلا يفعلون، وإنما هم - على زعمهم - يتعففون، وهل العفة والإباء والإخلاص سوى ألفاظ يستخدمها الواعون منهم، كما يستخدم الساحر في سحره الجن والعفاريت؟ احفظ هذا ولا تنسه.

التلميذ :

ولعل هؤلاء الواعين من الشمامين؟

الساحر :

أيوه، ولكنهم من النوع الذي يحاول الاستعلاء، يدورون حول من تفوح منه روائح إمكانات الاستغلال، ولا يكادون يتصلون بمن تستهويهم رائحته، أو نتنه، حتى يحاولون القضاء عليه للاستيلاء على ما يملك من مال أو جاه أو مكانة.

التلميذ :

ومن هم الشمامون إذن؟ وعدتني مرارا بتوضيح أمرهم.

الساحر :

نعم، وقد حان الوقت، فاعلم أن من الناس من يملكون في أرواحهم حاسة شم دقيقة سريعة التأثر والانفعال، وهي أشبه ما تكون بحاسة الشم عند الحشرات والحيوان كالذباب والقطط والكلاب والخنازير مثلا، وليست حقارتهم في قوة حاسة الشم في روحهم، بل في سيطرتها على كيانهم، وفي تفضيلهم لخبيث الروائح ونتنها، فلا يكادون يشمون تلك الروائح، حتى يهرعوا إليها، ويداوروا من تنبعث عنه حتى ينالوا مأربهم، وليست هذه المآرب سوى منافع مادية أو زهو وهم لجاه يؤدي إليها، ومهما تضخمت هذه المنافع فإنها تظل حقيرة، ولكن تعلقهم بها يسهل لأصحاب المطامع والشهوات الكبيرة أن يستخدموهم وهم بهم ساخرون، وهؤلاء الشمامون قديرون على تصنع الوفاء والغيرة والإخلاص بشكل عجيب، فإذا اتصلت بك رائحة تستهويهم، فلا تنخدع بهم، بل استخدمهم على حذر، وإياك أن تشبعهم، فصولة اللئيم إذا ما شبع خطرة مؤذية، وهم في لؤمهم هذا لا يحللون ولا يحرمون، وإنما وراء الروائح الكريهة الخبيثة يسيرون ويعدون، ولا يهمهم إلا الساعة التي يكونون فيها، فأنت العظيم الكريم، ما دامت أنوفهم تستلذ روائح دراهمك أو وجاهتك، وتوصلهم في انتشارها إلى أحقر الشهوات، وأنت الحقير الشحيح ما دمت لا تسيغ لهم أن يستغلوا ضميرك، أو أن يستهينوا بمبادئك، فلا إباء لهم، بل يهزءون من الكرامة، فالشهوة والانتهاز والوصول دوما على جثث المخلصين هي ديدنهم في الحياة، وما أقدرهم على قلب الحقائق وإلباس الشر لباس الخير، إننا نستخدمهم ونحتقرهم ونحذرهم، متذكرين الحكمة الخالدة: احذر صولة الكريم إذا جاع، وصولة اللئيم إذا شبع، وهؤلاء الشمامون هم اللؤم مجسما، يتصنعون الوفاء وهم الغدر ذاته، ويفتعلون الكرم وهم الشح نفسه، ويتظاهرون بالإخلاص وهم للخيانة تماثيلها، ويدورون مع روائح الإمكانات، حيث تدور مهما خبثت ونتنت انسياقا متملقا، لا إرادة معه ولا وجدان ولا حرية، وإذا ما ذكرت لهم الإباء والكرامة والعزة، ابتسموا ساخرين؛ لأنك مغفل، تصدق بوجود ما لا يمكن أن يكون.

هذا التاج · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ٤٥