الملك :
ينقل إلي من حين لآخر شكوى الشعب من إسراف الدولة ورجالها، ومن تفشي الرشوة وإثراء أكثر أرباب المناصب، ولا سيما الكبار، على حساب الشعب في إفقاره وتجويعه، ووزير الميسرة يؤيد ما يقال، ويطالب بقطع أيدي هؤلاء المسرفين المرتشين، فما رأي الأستاذ الجليل؟
الأستاذ :
غريب والله أمر هذا العصر وبنيه، فمتى كان للشعب أن يتطاول إلى رجال الدولة وأركانها فينقد أعمالهم؟! إن الشعب رعية، وهل يحق للرعية أن تناقش راعيها؟ انقلبت الأوضاع وفسد الزمن، ثم ماذا يرى الشعب؟ إسرافا؟! وهل تقوم هيبة الدولة على غير الإسراف؟! إننا محاطون بدول، يقصدنا سفراؤها ورجال الأعمال فيها، وهم يتصلون بالأمراء والوزراء ورجال الوجاهة والنفوذ، وكثيرا ما يتصلون بصاحب الجلالة نفسه، فهل يجد هؤلاء سلطانا للدولة إلا فيما يمد لهم من سمط وموائد، وفيما يقدم لهم من أطعمة وهدايا وبإسراف؟ وهل يشعرون بهيبة الدولة إلا فيما يبني رجالها من قصور وفيما يعمرون من قرى؟ وهل إذا ما قبل هؤلاء هدايا الناس ومكافآتهم ليقوموا بواجب تشييد القصور وإعمار القرى يكونون مرتشين؟ أعوذ بالله، إنما هي ضريبة غير مباشرة يتقاضونها، ولو مالوا في ذلك لخزينة الدولة لأفرغوها وأصبحت خاوية، الرشوة إنما وضعت كلمتها لمنع صغار العمال في الدولة من استيفاء مثل هذه الضريبة لإطعام أولادهم الجياع، وهي ليست من حقوقهم، وليس لها أن تقف في سبيل ما تستدعيه هيبة الدولة من زهو في نفوس رجالها، ومن ترف في حياتهم، فهذا حق طبيعي لهؤلاء الأشراف المهذبين والذوات المختارين، وإنما الشعب رعية للملك ومقربيه، وهو غنم لهم، يقتسمونه حسب مشيئة الملك ورعايته. أما إفقار الشعب وتجويعه فهي سياسة حكيمة يجب على الملك اتباعها من حين لآخر ليظل المسيطر على مقدراته، ومتى استمر شبع الشعب وثراؤه، يخشى منه على العرش وعلى من حوله من المؤيدين، هذه هي سنة الكون، والناس طبقات، ولكل طبقة حقوقها، والملك وحده هو الذي يملك حق التصرف بكل ما في المملكة من رعية ومقتنيات، وليس لأحد أن ينافسه في ذلك بله أن ينازعه، يا سبحان الله! انقلبت المفاهيم وأصبحنا في عصر كله سخف وحماقات وغرور وشذوذ، أسأله سبحانه وتعالى أن يلهمنا طريق الصواب، فنوقف كل إنسان عند حده بمعاونة أبناء الحلال، آمين، ولعل مولاي يستغرب هذا البيان مني وأنا الناسك الزاهد المنصرف إلى الله؟ ولكن للدين نظامه وحدوده وللملك والسلطان والدولة نواميسها ومقتضيات تطوراتها وأحوالها، ولا يظلم من يتبع النواميس والتقاليد.
الملك :
ولكن ألا يتنافى ما تقول مع ما تدعوني إلى تحقيقه من حرية وعدالة؟
الأستاذ :
مولاي، إن للحرية حدودا وإلا كانت فوضى، وحدودها الإنسانية الصحيحة هي هيبة العرش وسلطة الملك، وزهو خواصه وحاشيته ومؤيديه وترفهم، وهذا هو العدل بعينه، فلكل حقه حسب طبقته، والناموس الأكبر هو في أن يظل الناس جميعا عبيدا للعرش ولصاحبه، فللناس أن يأكلوا ما يصلون إليه من طعام كما يشاءون، وأن يعملوا في المهنة التي عليها يتمرنون، وأن يلبسوا ما يجدون كما يريدون، وأن يفرحوا، وأن يتنزهوا، وأن يقوموا بأفراحهم حسب تقاليدهم، وأن ... وأن ... فمن يعترض عليهم؟ فهم أحرار في تصرفاتهم، وها إن جلالة ولي الأمر قد أوقف التجسس عن أعراضهم، فماذا يبغون بعد ذلك؟ أويريدون أن يتطاولوا إلى صاحب العرش ومقربيه؟ هذا لا يكون؛ لأنه فوضى لا أثر للتحرر فيها، وهي الظلم المبين وبها خراب هذا البلد، أنقذنا اللهم من أبناء الحرام الذين يوسوسون في الصدور ويقولون ما لا يعقلون.
الملك :
ويظهر أن الناس يطالبون بالمساواة ولا سيما مساواة المرأة بالرجل، ويشددون في هذا الطلب على ما علمت، فما الحيلة؟
الأستاذ :