بعد فترة تململ وتردد، خفض الأستاذ رأسه، وقال بلهجة المأخوذ الغائب عن الوجود: سمعته يناديني باسمي يا مولاي، ويؤكد علي بأن أنقل إليك قوله: «أنسي الملك أستاذا حفظ له عرشه؟ أنسي قول والده: لتكن روح أستاذك دائما معك ولا سيما عند الشدائد، أخمدت نار روح الثورة في نفسه، فالتفت حوله حاشية السوء؟ وكل ما أخشاه هو ما أنذرته به منذ ثلاثين سنة عندما اعتلى العرش، من أن تنقلب الثورة عليه، ولولا أنه يذكرني الآن، ويذكر حكاية الساحر والفأرة لما ذكرته ولما اهتممت بشأنه، ليذكر ما مضي وليعتبر، فلا يجمع حوله الفئران - صغار النفوس - المتلبسين بعنجهية غطرسة اللؤم والجحود، أولئك هم أولاد الحرام، كن له خير مرشد ومعين، وباعتماده عليك يعتمد علي أنا مرشده وليا للعهد؛ لأن روحي تحل في ناسوتك، وتتحد بروحك، فنعمل معا على إنقاذه وإنقاذ العرش، وقد أصبح في خطر، هذه إرادة الله، وفي نهاية قوله هذه إرادة الله، وجدت نفسي في غرفتي، أسبح وأذكر، وأنا مدهوش لما رأيت، مأخوذ مما سمعت، أنتظر أن أتشرف بالمثول بين يدي مولاي صاحب الجلالة علي أطلع على ما في عبارات هذه الرؤيا الصالحة من مغاز وأسرار، وأقسم بالله، إنني لم أفقه شيئا من ألغازها، وهنا سكت برهة، ثم قال: ولعلها أضغاث أحلام خدعت بها، فأستميح مولاي العذر على جرأتي في ذكرها أمام جلالته»، لم يكن ليخفى على الأستاذ وهو ينطق بهذه الجمل بتؤدة وهدوء وخشوع، حال الملك مأخوذا بما سمع في موافقات مواقف الرؤيا وهمساتها، لمواقف تأملاته وهمساتها، وما كاد يسمع من الملك قوله: كلا ليست أضغاث أحلام وإنما هي الحقيقة بعينها، وما كان يتحقق قوة تأثير أقواله في تأملات الملك وقد أصبح في شبه غيبوبة، حتى ارتعش الأستاذ ارتعاشة قوية وهو يقول: مولاي مولاي، ألا ترى الشيخ الوقور معنا الآن؟ إنه هنا، ينظر إليك بعين الرضا، نعم إنه بيننا ينظر إليك، ويحدق نظره بك، وكأني به يريد أن يتكلم، ألا تراه يا مولاي؟ ألا تسمعه؟ وكالمنوم أو المصروع رأى الملك شبح أستاذه الوقور بعينيه وسمع صوته بأذنيه يقول: ذكرتني فذكرتك، وإنني مطمئن ما دمت تستمع لهذا الأستاذ وتعمل بإرشاده، ففيه حلت روحي واتحدت بروحه، فلا خوف عليك ما دام معك، هذه إرادة الله، واختفى الشبح، وغاب الملك عن وعيه، وغرق في سبات عميق، ورأسه على صدر الأستاذ اليقظ الواعي والمشعوذ الخطر.
تردد راوي هذه الحكاية في تعليل هذه الظاهرة، وفي تفهم أسرارها، سحر المشعوذ عيني الملك وهذا مألوف، إذ كثيرا ما يسحر الدجالون المشعوذون أعين الناس، فيجعلونهم يرون ما ليس له وجود، ولكنه كيف سحر أذني الملك فسمع بهما ما سمع؟ أتكلم الساحر من بطنه، وخدع الملك، فتوهم الصوت يصدر عن الشبح؟ أم أن الوهم يتصل بالأذنين كما يتصل بالعينين في سحر المشعوذين؟! كلاهما ممكن، وكيفما كان الواقع فالأستاذ قد أنفذ وعيده، وألقى باب الوهم على الملك، فملك عليه قلبه وحواسه، ويذكر القارئ النبيه أن باب الوهم - كما سبق وألمعنا إليه - هو من أبواب السحر، وهو صنو الصرعة، وإن شياطين الوهم - وقد هدد الساحر بها - تستحوذ على العينين والأذنين والقلب والدماغ وعلى جميع الحواس، فتجعل الإنسان يتوهم أنه يرى وهو لا يرى، وأنه يسمع وهو لا يسمع، وأنه يأكل ويشرب وهو لا يأكل ولا يشرب، وأنه يفكر ويعبر وهو إنما يخلط ويهذي ويثرثر.
والمشعوذون إنما يؤثرون في المستضعفين من الناس وهؤلاء أنماط: فمنهم من يتأثر لغفلته بتأثير الجشع والانقياد للمطامع والمآرب، ومنهم من تصرعه غباوته لجهله أو استهتاره أو فجوره وفساده، ومنهم من يرتاح للدجل والشعوذة، ولكنه عاجز عن تحمل أسرارها، وتمثيل أدوارها الصعبة؛ لأنها بحاجة لاستعداد قوي في المكر والخداع ولذكاء متقد، فيدخل في الدعاوة لدجال ماكر، ويتظاهر أنه رأى وهو لم ير، وأنه سمع وهو لم يسمع، وأنه أكل وشرب وهو لم يأكل ولم يشرب، وإنما يلذ له أن يخدع نفسه ويخادع الناس، فيغرب بالحوادث ويغالي في رواية الأخبار، وقد ينتهي به الأمر بأن يسحر فعلا فيصبح هو الغافل الغبي صريع الشعوذة والتدجيل، ومليكنا من النوع الغافل، شغله عن ذاته خوفه على العرش، وكم أذهبت العروش من عقول، وإنه الآن في سباته مشغول بما أراد له الساحر من أحلام، فلننتظر فيأته ويقظته لنراقب في واقع الحياة مسير الحوادث والأحوال.