شعر ولي العهد بأنه أصبح في عالم غير عالمه، وكاد يضيق بذاته، وفيما كان يهم بإلقاء سؤال جديد حضر حاجب الملك، ودعا الحكيم الفيلسوف إلى الاجتماع بجلالته على جناح السرعة.
قام الحكيم ملبيا الدعوة واعدا تلميذه بالعودة إليه، فوعده هذا بأنه لن يبرح مكانه.
وها هو الآن واقف أمام نافذة ردهة الاستقبال، ينظر إلى مكانه ذاك مع أستاذه، ويتأمل في الحديقة وفيما سمع آنذاك، إنه واقف أمام النافذة وكأنه في الحديقة لا يزال ينتظر عودة الحكيم.
| الفصل الثاني عشر
قال الراوي: كان الملك واقفا بجسده أمام النافذة المطلة على الحديقة، ولكن روحه كانت في تلك الحديقة ذاتها جالسة على ذلك المقعد الرخامي - الشاهد العدل على تلك الحوادث والأحاديث - تنتظر عودة الحكيم الشيخ، وتتأمل فيما سمعته منه قبل تلبيته دعوة الملك، الأمر يتعلق بمصلحة المملكة وبك أنت، إنك ولي عهد ولست ابن الملك وحسب، أبوة الملك وأبوة المجتمع، وأبوة المجتمع فوق أبوة الملك، سر رهيب يجب أن أكتمه، وأن أتناساه إذا لزم الأمر، ما هذه الألغاز؟! ألا يكفينا ما أصابنا من استيلاء شداد - ذلك الملك الشاب الجبار - على بعض مدن الحدود، وفرضه الجزية يدفعها الملك صاغرا؟ هل انقلب هذا الأستاذ على ملك أحبه واحترمه واختاره مربيا لابنه وولي عهده؟! هل أصبح من اعتقدنا فيه الوفاء ناكرا للجميل، بتآمر على الملك مع الموتورين المتألبين المفسدين ويخون عهده؟ مسكين أنت يا أبي، وفيما كان ولي العهد غارقا في هذه التأملات شعر بيد تربت على كتفه، فإذا الشيخ يعود، وأمارات الاهتمام على وجهه.
جلس الشيخ في مقعده الأول، وقد أدرك من استقبال ولي العهد خفايا تأملاته، فابتسم، وبادره بقوله: علك أسأت بي الظن، وكان احمرار وجه الشاب في صمته جوابا.
ح :
أنا لا أعتب عليك سوء ظنك بي، ولكن ثق أنني كنت - ولا أزال - الوفي الأمين، ولولا خطورة الحال وأهمية الوضع لما أجزت لنفسي أن أستمر في الحديث، ملحا في أن أحصل منك على ذلك الوعد، وأنا الواثق بشرفك لطيب أرومتك ومروءتك.
و :
سأعدك ولكن بعد أن تعلمني عن سبب استدعاء جلالة الملك لك في هذا الوقت، وهو يعلم أنني معك، فهل كان الأمر يتعلق بي وليا للعهد أم ابنا للملك؟
ح :
لم يكن الأمر يتعلق بك يا بني، ويسرني أنك فرقت في سؤالك هذا بين ابن الملك وبين ولي العهد، فقد بدأنا نسير معا إذن في طريق التفاهم والتفكير.
و :
إنك قد هززت كياني كله، وأوقعتني في صراع نفسي عنيف، وقد أقلقتني هذه المقابلة، يستعجلها جلالته، فهل وقع فيها ما يستدعي الكتمان حتى عن ولي العهد؟
ح :
إن أحاديث الملوك الخاصة تستدعي الكتمان دائما، ولكني لن أكتمك بصفتك وليا للعهد ذلك الحديث لصلته بما ستكتمه، وكأني بك قد وعدت؟ فالحديث يتعلق بحلم مخيف، أراد جلالته تفسيرا له، إنه رأى - فيما يرى النائم - أنه في أرض قفر، وأن أسدا رهيبا هجم عليه يحاول افتراسه، ولكن يدين بشريتين امتدتا في الخلاء ولوت إحداهما عنق الأسد، وردت الأخرى الملك إلى الوراء، فوقع في حفرة عميقة، وكان سقوطه هذا سببا لإيقاظه من نومه مشدوها خائفا، يحمد الله على إنقاذه من الأسد، ولكنه لا يذكر أنه أنقذ من الحفرة.
و :
وبم فسرت ذلك الحلم؟
ح :
التفسير السطحي بسيط، فقد قلت له: إنه سيتعرض لتهلكة تنقذه منها يد تحبه وتخلص له، ولكن هذا الإنقاذ ذاته سيلقيه في نكبة أخف وطأة عليه ولا تفقده حياته.
و :
والتفسير العميق؟
ح :
إنه يتصل بما ستعدني بكتمانه، فروح جلالة الملك كانت حساسة جدا في رؤياها، وكأنها قد تنبأت عن المستقبل.
هنا اشتد اضطراب ولي العهد، واهتزت أعصابه، ووجد في قوة الصراع في نفسه حافزا لاكتشاف ذلك السر، لا سيما وهو غير مقيد بشرط قبول أيه فكرة يحتويها، فوقف ورفع يده؛ ليؤدي قسم الوعد على ما لقنه أستاذه الشيخ الحكيم وقال: