ولعلك - يا قارئي العزيز - تفكر، وأنت تقرأ هذه النظرة في أهمية حكايات العجائز وأساطير الأقدمين، فيما تحويه الأسطورة من خرافة، ولعلك تتأمل فيما تتزين به الحكاية من تخيل وأكاذيب! فتستخف بهذه النظرة، مستغربا أن تكون الخرافة وأن يكون التخيل والكذب من أسمى أنواع التعبير عن أسرار الحياة، ومن أنجع وسائل إيصال حقائق هذه الأسرار إلى الأفئدة! إنك على صواب في استغرابك، ومن حقك أن تشك، والشك عند العلماء المفكرين أصل اليقين، ولكن عليك في شكك هذا، ونحن نقرك عليه ما دام شكا علميا يستهدف الحقائق، والشك الهازئ سطحي لا قيمة له ، عليك أن تفكر في أمرين، وأن تتأمل في ملابساتهما: (1)
هل تلك الأسطورة أم هذه الحكاية هي خرافة أو تخيل أو كذب بالنسبة إلى ثقافتك وعصرك، أم بالنسبة إلى العصر الذي قيلت فيه؟ فإن تكن بالنسبة لعصرك، فأنت لا تدري ما هو حكم المستقبل على ما سينقل عن عصرك من حكايات وأحاديث ومن صور وتعبير! فلطبيعة التعبير في تلك الأساطير والقصص أهميتها الخاصة في عصرنا هذا، وهو عصر انتبه لسوء تأثير التصنع، فلذا ينادي بالعودة إلى طبيعة الأشياء. وإن تكن بالنسبة إلى تلك العصور، فعندئذ تكون هي تصنعا، ولا يجوز أن نعيرها هذه الأهمية. (2)
هل في هذا العالم حقيقة مطلقة وخير لا تشوبه فاعليات الشرور؟ الخير والشر متلازمان، والحق والباطل لا يفترقان، والإنسان بفاعليته الذاتية هو الذي يميز ويختار، وهو الذي يخدع أو ينخدع، ولولا تلازم الخير والشر واتصال الحق بالباطل، لما كان للحياة معناها ولما كان للإنسان أي مطمح في كفاح، ولا أي افتخار في ظفر، وهل الإنسان في هذه الحياة سوى مجاهد يكافح الخير والشر معا؛ ليستقر ما يختار منهما في نفسه على الشكل الذي يتخيله والصورة التي يرسمها؟! وهل هو سوى عامل تائه يجد ويكد، سائرا في طلب الحق؟ فإذا هو في نزاع عنيف مع الحق والباطل معا، إلى أن يستسلم لأحدهما فيكون سعيدا أو شقيا، عظيما أو حقيرا، سيدا أو مسودا.
وما تلك الأساطير وهذه الحكايات مع ما ينضم إليها من وقائع وحوادث يتكون بها التاريخ، ومن تعابير وأساليب ينبثق عنها الأدب، سوى مثيرات ومحفزات تثير النفس وتحفزها؛ لتستمر في كفاحها المتصل بكفاح الإنسان منذ حاول أن يحقق إنسانيته، فتتحقق بذلك الصلة بين الأجيال في تقدم الثقافة والحضارات.
فلا ضير علينا إذن، إذا عدنا إلى بعض تلك الحكايات والأساطير، مع الاعتماد على الحوادث الراهنة والوقائع المشاهدة الملموسة - تصريحا أو تلميحا - في أحاديثنا في هذه «الجريدة» الغراء، ومن أهدافها وأهداف كل صحيفة تدرك حقيقة رسالتها أن تصل بالحقائق إلى أعماق النفوس، وهذا هو هدف الأهداف في انبثاقات المدرسة الحديثة التي ندعو إليها، وفي تطورات مفهوم التربية فيها في تجليات روح المجتمع وثقافته.
المؤلف
| الفصل الأول
يحكى أنه كان في قديم الزمان ملك عادل، كان ملكا عظيما مسيطرا في الأرض، ولا أذكر أن جدتي - رحمها الله - ذكرت لي اسمه، على كثرة ما رددت علي هذه الحكاية، ولا البلاد التي كان يحكمها، ولا الزمن الذي أظله بوقائعه. زمنه قديم، وسيطرته على جميع ممالك الأرض، وهو ملك عظيم تعنو له الرقاب، وتخضع لهيبته جميع الآفاق، هكذا كانت تصوره لي بعباراتها الفخمة ولهجتها القوية، وكانت عباراتها تزداد وضوحا بوضعها الذي تتخذه منسجما مع معاني القصة، ومتفقا مع حركة اليدين وبنظراتها المشعة، وكأني بها كانت ترسل تلك الأشعة لتنير لكلماتها طريقها إلى الفؤاد، فقد كان لكلماتها تأثيرها القوي في نفسي؛ ولذلك تراني أذكر الكثير منها، ومما كانت تقص علي من قصص، وأعترف بما كان لها في نمو ذاتي من أثر كبير.
ولعل في إهمال ذكر اسم الملك، وفي ترك تعيين بلاده وزمنه، مغزى بعيدا أراد واضع القصة أن يجعل منه صورة رمزية لكل ملك عادل، في أي قطر من الأقطار وفي أي زمن، ولو أن جدتي كانت تعرف كلمة الإمبراطور وتدرك معانيها لقالت - ولا ريب - إنه كان إمبراطورا عظيما؛ لأنه كان عادلا.