﴿وتظنون بالله الظنونا﴾: فالمنافقون ظنّوا بربّهم شرّاً، وبالإسلام بهتاناً، إذ أنّهم قالوا: ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾، يقولون: "يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله، هذا والله غرور"، وها هم اليوم يقولون: كيف لنا مع ضعفنا وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس أن نعيد دولة الإسلام؟ وكيف لنا ونحن لا نستطيع أن نعبد الله تعالى آمنين أن ينقلب حالنا إلى حالٍ تخشانا فيه قوى الكفر والشّرك في مشرق الأرض ومغاربها؟. لكنّنا نقول: إنّها الوعود الإلهية، إن أخطأَتْنا نحن فهي واقعة لا شك فيمن ثبت على الطريق، وواصل المسير، ولم تُضعفه الأيّام والشّهور، بل ازداد ثباتاً ويقيناً، وما شدة الصعوبات إلا دليلٌ على صواب الطريق، وإذا كان طريق الجهاد وهو طريق الدّم والخطفِ والسجن، فإنّه كذلك طريق العزّة والنّجاح، وإذا كانت الطّرُق الأخرى هي طرُق السّهولة والمناصب، فإن نهايتها الذلّة والخِزْيُ والشّنار. وطائفة منهم قالت: يا أهل يثرب لا مقام لكم على الإسلام فارجعوا، أو لا مقام لكم في القتال فهزيمَتكم محقّقة، فارجعوا إلى منازلكم، وبدأوا يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهروب وترك المواجهة يقولون: ﴿إن بيوتنا عورة﴾ أي مكشوفةُ الجانب، لا نستطيع منعَ الدّاخل إليها، فكذّبهم الله تعالى قائلا: ﴿وما هي بعورة إن يريدون إلاّ فراراً﴾، وهكذا النّفوس المريضة، والقلوب الخاوية من الإيمان، تبحث لها عن الحجج الواهيةِ الضعيفة لترك المواجهة، ولعل هؤلاء يبحثون عن الحجج الأصولية في إسقاط فريضة الجهاد تحت دعوى المصلحة الموهومةِ الزائفة، ولكنّ حقيقةَ الحال أنهم لا يريدون الجهاد، ويخشون نتائجه، قال تعالى: ﴿ولو دُخِلت عليهم من أقطارها ثمّ سُئِلوا الفِتْنة لأتَوها وما تلبّثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبلُ لا يولُّون الأدبار وكان عهد الله مسئولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتّعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليّاً ولا نصيراً﴾.
إن هؤلاء القوم لا يقيمون للفضائل شأناً ولا لدين الله رأساً، همّهم بطونهم، وشُغلهم أهواءهم، ودليل ذلك أنه لو دخَلت جيوشُ الأحزاب عليهم في المدينة، ثم طلبت منهم الجيوش أن يُشركوا بالله تعالى ما احتبسوا، ولا تلكّؤوا، بل لأقبلوا على الكفر بالله طيّبة بالشرك قلوبهم، فهم يدورون مع من مُلك المنصب والمال، ويراقبون حَركته، حتى يبرمجوا أنفسهم على اتّجاهه، ليس لهم اختيار إلاّ اختيارُ الحاكم، إن أسلم الحاكمُ أسلَمنا، وإن كفَر الحاكمُ كفَرْنا، ولا يُقبِلون على الإسلام إلا بالوعود الممتلئةِ ذهباً وكنوزاً، ومناصبَ وتشريفاتٍ، ولهذا قالوا قولتهم: ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾، فهم اعتنقوا الإسلام لوعوده الدنيوية، أليس هذا يعلِّمنا أن لا نفرش الورود والرياحين للناس في دعوتهم للإسلام؟
ثم أليس هذا خطأ تلك الجماعات التي قالت للناس: انتخبونا، وسنطعمكم السَّمن والعسل، وسنبني لكم المساكن الفاخرة، وسنسهّل لكم معايشكم وحَيَاتكم، فلمّا أصابهم بعضُ اللأواء، فإذا هم أمام شاشاتِ التّلفزيون يتبرَّأون من الإسلام وأهله، ويتساقطون على الطّرِيق الواحد تلو الآخر، ألا ما أتعسَ العبد الذي يُريد أن يشتري بإسلامه منصباً وجاهاً، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد من حرص الرّجل على المال والشّرف لدينه)).
يا قوم! أين عهودكم؟ أين بيعتكم مع الله؟ ألم تقسموا من قبل أن لا تولّوا يوم الزحف، بل تثبتوا ثبات الصادقين؟!.