كان الوضع قد أصبح رهيبا. رعبا وإرهابا وبغيا وتجبرا من عدوا لا يرحم ولا يعترف بأخلاقيات الحروب ومعاهداتها ومواثيقها الدولية. بجانب هذا كله كانت مشكلة المياه والغذاء قد أخذت تتفاقم لمدة أكثر من 6 أيام، توقف إمداد المنازل بالمياه. والذي خفف من وطأة ذلك هو أن شهر نوفمبر عادة ما يكون باردا مما يقلل من الشعور بالظمأ وكذلك وجود خزان ماء صغير لدينا في البيت لا تتعدى سعته 1 م 3 مكون من عدة براميل موجودة في الدور الثالث للمنزل مما فرض على الجميع الاقتصاد في استخدام الماء. أما المأكل فلقد كانت الوالدة رحمها الله وهي السيدة المصرية كريمة الشيخ الأزهري ... تقوم بعجن الطحين وجعله كرات صغيرة ومن ثم تقوم بوضعه في الزيت المغلي حتى يصفر لونه وتقوم بتسليمه لنا لتقدمه إلى المتواجدين في المنزل.
استمر هذا الوضع يوما كاملا حتى سمعنا قصفا مزلزلا للبيت اعتقدنا من شدته أن المنزل قد انهارت أدواره العليا ... تبين لنا فيما بعد أن الدبابات الإسرائيلية قامت بقصف المنزل بعدد 3 دانات فتحت عدة فتحات في حوائط الدور الثاني والثالث. امتنع الوالد عن ترميمها من الخارج فيما بعد وحولها إلى نوافذ من الداخل لتظل ذكرى لذلك العدوان.
بعد عملية القصف بحوالي 30 دقيقة سمعنا طرقا على الأبواب. استوضح الوالد عن الطارق. أجاب أنا أبو حمدي الدنديس كان لاجئا سياسيا وهو مجاهد من الخليل ومعي ضابط من الجيش الإسرائيلي يريد مقابلتك. قام الوالد بفتح الباب خارجا إلى الشارع وكنت عندها بجواره وأنا طفل لم يتجاوز عمره 11 عاما.
وكأنه يريد أن يدهم هذا الضابط الذي تراجع للخلف وأخذ وضع الركبة والنصف. طالبا من والدي الوقوف وقف الوالد. كان هذا الضابط حوله مجموعة كبيرة من الجنود وكان في بداية الشارع عدد من الدبابات وقد وجهت مدافعها إلى