فالذي اتخذ من الليل مجالاً لسعيه لا يمكن له أن يجعل نهاره سعياً أيضاً، أي أنك إذا أعطيت الليل وظيفة النهار فلا بد أن تعطي النهار وظيفة الليل حتى تستطيع الاستمرار في السعي، فشرع الله العليم الحكيم لهذه الضرورة النوم بالنهار لمن عمل في الليل.
فالله - سبحانه وتعالى - هو الذي خلق الليل و النهار، وهو الذي حدَّد مهمة كل منهما، و عند الضرورة شرع - سبحانه وتعالى - لهذه الضرورة حكماً يناسبها، و هو الذي خلق الذكر و الأنثى ... و هو الذي يحدد مهمة كل منهما، و عندما تطرأ ضرورة فهو وحده الذي يبين كنه هذه الضرورة، و يشرع لها أحكامها.
فعندما تكون الضرورة ملحة، و ينتفي المجتمع الإيماني، فإن الله العليم بعباده، الحكيم في شرعه، الذي يعلم من خلق، و هو اللطيف الخبير الذي لا يضل و لا ينسى يشرع - سبحانه وتعالى - للضرورة حكماً، و يبين شرائط هذه الضرورة بتفاصيلها في كتابه الكريم و لا يتركها لاجتهاد مجتهد، أو قياس قائس، و لا يدع مجالاً لاستدراك متعالمٍ على حكمه سبحانه، و ما ذلك إلا لعظم الخطر الناجم عن اختلاط و تداخل مهمة الذكر بمهمة الأنثى، فقال تعالى:
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
(القصص:22 - 27)