4 - من لا يأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذُلك عند الحقائق.
5 - وإن حاول حويلاً آمَرَك (شاورك فيما يريده) وإن تنازعتُما مُنْفِساً آثرك (يفضّلك على نفسه بالخير).
أقول: إنها نصائح رائعة تُكتب بماء الذهب، ويُحافظ عليها في شَغاف القلوب، يقتنصها الأديب الأريب، والذكي اللبيب، ويعمل بها العاقل النديّ ذو الفؤاد البهي.
وقال الشاعر في هذا:
إن أخاك الصدقَ من كان معك --- ومن يضرّ نفسَه لينفعك
ومن إذا ريبُ الزمان صدَعَك --- شتت فيك شمله ليجمعك
- وكتب رجل إلى صديقه يمدحه لما رأى فيه من خير ومروءة: أنت يا صديق كما قال الأعشى:
منْ ليس في خيره منٌّ فيفسده --- على الصديق ولا في صفوه كدَر
وليس فيه إن استنظرته عَجَلٌ --- وليس فيه إذا ياسَرتَه عُسُرٌ
وقال شاعر آخر في أخيه:
إذا كان إخوان الرجال حرارةً --- فأنت الحلالُ الحلو والباردُ العذبُ
لنا جانبٌ منه دميثٌ وجانبٌ --- إذا رامَه الأعداءُ مركبُه صعب
وتأخُذُه عند المكارم هِزّةٌ --- كما اهتزّ تحت البارح الغُصُن الرطب
- وبكى الشعراء إخوانهم بقلوب دامية إذ فقدوهم، فقال أحدهم:
أبكي أخاً يتَلقّاني بنائله --- قبل السؤال ويلقى السيف من دوني
إن المنايا أصابتني مصائبها --- فاسْتعجَلَت بأخ قد كان يكفيني
وقال غيره:
أخٌ طالما سرّني ذِكْرُه --- فأصبحتُ أشجى لدى ذكره
وقد كنت أغدو إلى قصره --- فأصبحت أغدو إلى قبره
وكُنْت أراني غنِيّاً به --- عن الناس لو مُد في عمره
إذا جئتُه طالباً حاجة --- فأمري يجوز على أمره
- والحقيقة أن الصديق الصدوق كالجوهرة النادرة، ولا ترى الأصدقاء إلا أيام الرخاء، أما في أيام الشدة فلا وجود لهم – كما يقول أمير --- المؤمنين علي رضي الله عنه –
ولا خيْر في ودّ امرئ متَلَوّن --- إذا الريح مالت مال حيث تميل
جوادٌ إذا استغنيت عن أخذ مالِه --- وعند احتمال الفقر عنك بخيل