قدمت مرة من أم القيوين – وهي إمارة صغيرة من الإمارات العربية المتحدة وكنت في زيارة لأحد الأحباب عائداً إلى بيتي في الشارقة، ودخلت عجمان حتى وصلت إلى الدوّار قرب جامعة عجمان التكنولوجية، فأذّن للعصر فدخلت مسجد الجامعة، ولما انتهت الصلاة اتجهت نحو الباب، فلفت نظري أن شاباً عملاقاً ذا لحية لطيفة كان ينظر إليّ نظرات حسبتها فضولية، ولم أعرفه، فسلمت عليه قائلاً في نفسي لعله ينتظر أحد المصلين من إخوانه أو رفاقه الطلاب، فردّ السلام، ولما خرجت من الباب رأيته يناديني باسمي: أستاذ عثمان .. أنا أنتظرك، فلِمَ تجاهلتني؟
قلت: ومَنْ أنت يا ولدي؟ وأنّى لي أن أعرفك حتى أتجاهلك؟
قال: أنا أحد تلاميذك في ثانوية دبي يا أستاذي.
نظرت إليه متعجباً ثم قلت له مبتسماً: لا أتذكر أن أحد تلاميذي بطول خشبة الكهرباء.
ضحك الشاب وقال: هذه عادتك يا أستاذي، لمْ تغيّرها، تدخل إلى القلوب بأسلوبك الفكاهي المتميز.
قلت: أمتأكد أنك أحد تلاميذي؟ كيف كنت تدخل بين الكرسي والطاولة في الصف؟
ضحك الشاب وقال: لن أذكر اسمي لأنك ستعرفه لو نبهتك إلى جملة كنت تقولها لي.
قلت: هات يا ولدي .. وما أظنني أتذكر فأنا كثير النسيان.
قال: لا .. إنك تعرفني جيداً يا أستاذ .. كنت تقول لي: إن اسمك يا ولدي لا يسمي المسلمون أولادهم به في بلاد الشام، فهو خاص بالنصارى، وكنت تقول أيضاً: إنك التلميذ الليبي الوحيد الذي تتلمذ على يديك ..
فتحت له ذراعي وقلبي بآن واحد، وقلت له: أهلاً يا (وليد إلياس) .. انزل قليلاً حتى أقبّل وجنتيك، وأضمك إلى صدري .. كم أنا مشتاق إليك .. كيف غبت عني فلم أعرفك .. حجبك هذا الطول المفرط وهذه اللحية المحببة، والشباب الناهد، حفظك الله يا ولدي.
قال والابتسامة تملأ فمه، ووجهه يشرق بالإيمان: