استعرضنا في المقالين الأولين تاريخ حسن الترابي السياسي الملئ بالتسلق والوصولية والدهاء ورغم أن ارشيفه عندنا حافل بالاعوجاج إلا أنى اشهد له انه يعتبر ظاهرة حركية لا يستهان بها ولديه من القدرات والمهارات ما يؤهله للقيادة ولكن ليس للحركة الإسلامية طبعاً وخصوصاً وأنها (مليانه) من القيادات المنحرفة!!
وبنهاية هذه الحلقات سوف استعرض لكم أهم وأخطر ما في هذه السلسلة التي أنهكت وأرهقت في كتابتها وقبل أن أبدأ بكشف انحراف حسن الترابي الفكري والعقدي استكمل ما بدأته باختصار من تاريخ الترابي.
استمر الترابي يتنقل ويتمرغ في أحضان السلطة النميرية من عام 1979 إلى عام 1985 والظريف حقاً هو ما يردده بعض المغفلين من أن للترابي حسنات في دخوله تحت بلاط النميري وهي سعيه لتشكيل لجنة لتعديل القوانين الإشتراكية كيّ تتماشى مع الشريعة الإسلامية ولقد هرعت لأتحقق من هذه اللجنة المزعومة التي لم يحركها إلا مظاهرات الإخوان المسلمين من أجل تطبيق الشريعة هناك فوجدت في كتاب التاريخ الإسلامي المعاصر لمحمود شاكر في المجلد (13) أن اللجنة التي شكلها ـ فضيلة الشيخ ـ النميري! لإقامة الشريعة كانت على النحو التالي:
1 - جعفر النميري رئيساً للجنة.
2 - وجميع وزرائه في الدولة كوزير المواصلات والتجارة ووزير التعديل والزراعة وطبعاً كان الترابي من ضمن الجوقة لأنه وزير العدل ولكن من غير الأوقاف!
3 - والمشكلة ليست في هؤلاء الوزراء الذين شكلهم النميري لكي تقام الشريعة الإسلامية النميرية ولكن المصيبة في باقي الجوقة الكريمة لأنه كان من بين الأعضاء أيضاً أخونا في الله (!!) جوزيف كوال وزير المالية والتخطيط ويبدو أنه سيتخصص في إقامة فرض الزكاة! وكذلك من بين الأعضاء صموئيل كيتوت، وكذلك وزير التربية الإقليمي فيليب أويوي، وصموئيل ريتري وزير القوى العاملة، ولا عجب لأن الشريعة التي ستخرج من تحت عمامة النميري لا يهم أن يكون أعضائها من هيئة كبار النصارى! وعموماً يقال أن تعاطف النميري النسبي مع التيار الإسلامي آنذاك بسبب محاولات الشيوعيين الفاشلة للإطاحة به أعطى بحبوبة للإسلاميين للتوغل في النظام العسكري السوداني وكان من ثمراته خروج عدد كبير من الضباط الذي نفذوا انقلاب 1989 (جبهة الإنقاذ الوطني) ولكن قبل هذا الانقلاب طارت حلاوة الكرسي في 1985 من حسن الترابي بعد الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالنميري وترأس الحكومة بعدها عبد الرحمن سوار الذهب وبقي الترابي بعدهم يرسم للوصول للسلطة من جديد خاصة بعد أن ذاق (عسيلتها) ولم يعد قادراً على الدخول بها مجدداً!!
في العام 1989 قاد بعض العسكريين انقلاباً في السودان بقيادة الفريق عمر البشير وأوهموا الناس أن دكتور الحركة الإسلامية حسن الترابي لا علاقة له بهذا الانقلاب وزجوه بتمثيلية مضحكة في سجن (كوبر) مع بعض السياسيين ليخرج بعد أيام فقط ويعلن ويعترف أنه هو الذي خطط لانقلاب عمر البشير معللاً ذلك باتفاق بينهما على أن يذهب البشير للقصر الجمهوري وأن يذهب هو إلى السجن حتى لا يتم