فَقَالَ الْآخَرُ : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ ، وَأَنِّي أردتها عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي ، حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي ، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا ، فَفَعَلَتْ ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ : لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ ، فَتَحَرَّجْتُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا. فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا» .
هذه القصة أخرجها البخاري ومسلم في الصحيحين .
وهي جليلة القدر ..
في القصة : التوسل بالعمل الصالح ، ولا ريب أنّ هذا مشروع ، والأدلة عليه كثيرة. والتوسل : التقرب ، والمراد أن يجعل الإنسان بين يدي دعائه ما يكون سبباً لقبوله ، والتوسل المشروع يكون بأسماء الله وصفاته ، كأن تقول : يا رزاق ارزقني ، ويكون بالعمل الصالح كما في هذه القصة ، ومن هذا النوع التوسل بالإيمان فإنه عمل صالح ، ومنهم من يجعله قسماً خاصاً ، ولا مشاحة في ذلك ، ويكون بذكر الحال وإظهار الفقر كما قال موسى عليه السلام : ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ ، وكقوله تعالى عن نوح عليه السلام : ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴾ ، وعن زكرياءَ عليه السلام : ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ .