ص -76- فصل: في هديه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في صدقة التّطوّع
كان أعظم النّاس صدقةً بما ملكت يده، ولا يستكثر شيئاً أعطاه لله، ولا يستقله، وكان لا يسأل أحدٌ شيئاً عنده إلاّ أعطاه، قليلاً كان أو كثيراً، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما أخذه، وكان إذا عرض له محتاج، آثره على نفسه، تارةً بطعامه، وتارةً بلباسه.
وكان يتَنوع في أصناف إعطائه وصدقته، فتارةً بالهدية، وتارةً بالصّدقة، وتارةً بالهبة، وتارةً بشراء الشّيء، ثم يعطي البائع السّلعة والثّمن، وتارةً يقترض الشيء فيردّ أكثر منه، ويقبل الهدية، ويكافئ عليها بأكثر منها، تلطّفاً وتنوّعاً في ضروب الإحسان بكلّ ممكنٍ، وكان إحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله، فيخرج ما عنده، ويأمر بالصّدقة، ويحضّ عليها، فإذا رآه البخيل، دعاه حاله إلى البذل.
وكان مَن خالطه لا يملك نفسه عن السّماحة، ولذلك كان أشرح الخلق صدراً، وأطيبهم نفساً، فإنّ للصّدقة والمعروف تأثيراً عجيباً في شرح الصّدر، فانضاف ذلك إلى ما خصّه الله به من شرح صدره بالرّسالة وخصائصها وتوابعها، وشرح صدره حسّاً، وإخراج حظّ الشّيطان منه.
وأعظم أسباب شرح الصّدر التّوحيد، وعلى حسب كماله وقوّته وزيادته