إن ما زعمه القطب الصوفي صاحب كتاب (جمهرة الأولياء) من أن مستمد الصوفية هم أهل الصفة إنما هو دليل على خواء علمي بالكتاب والسنة وسيرة الصحابة الكرام، فهل كان لأهل الصفة تشريع خاص بهم، وهل كان لهم شرف يحبون الحفاظ عليه والانتساب إليه غير شرف الانتساب إلى الإسلام وطاعة الله وطاعة نبيه ﷺ. وأهل الصفة الذين ذكرهم المنوفي هم خيار الصحابة كأبي هريرة وخباب بن الأرت وبلال وسلمان الفارسي وأبي سعيد الخدري وأبى برزة الأسلمي وصهيب بن سنان وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر وأبو فكيهة ووابصة بن معبد الجهني وأنس بن مالك" (١).
فهل هؤلاء الأعلام الأبرار أصحاب رسول الله ﷺ هم أهل الصوفية وهل كان هؤلاء على الزعم الصوفي هم سلف الحلاج وابن عربي وابن الفارض وابن سبعين، وغيرهم من عتاة الصوفية الذين يأخذ أحدهم السكر بالله كما يزعمون إلى حد أن يقول لا إله إلا أنا – أو ما في الجبة إلا الله – أو قولهم – العبد رب والرب عبد، يا ليت شعري من المكلف هل يمكن أن يكون أساس هؤلاء هم أولئك الأخيار.
بل إن المنوفي زعم أن الله عز وجل أمر نبيه أن يكون صوفيًا فقال: "وأيضًا قد أمر الله رسوله محمدًا ﷺ بعد أن رباه وكمل خلقه وأتم عليه نعمته بأن يتصوف ويندمج في الصوفية بقوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:٢٨].
ومع بعد هذا الاستدلال عن ما يهدف إليه المنوفي فإنه يواصل ما يعتبره أدلة على أن الرسول ﷺ هو أول من مشى على الطريق الصوفي فقال: "وأن الله عز وجل قبل أن يرسل محمدًا برسالته الكبرى، والملة العظمى أمره بدخول الخلوة (غار حراء) " إلى أن يقول: "فلما دخل الرسول الخلوة وتعبد وتحنث في غار حراء، وفيه قد أكثر من الذكر والاستغفار والاعتكاف وما نعتبر هذا النمط من العبادة الخاصة إلا أن نعده تصوفًا إسلاميًا رفيعًا. وأن الرسول ﷺ قد بدأ متدرجًا في الكمال كمريد ثم تهيأ لحمل الرسالة؛ ولذا وصفه الله في كتابه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:٤]، وحتى بعد أن حمل الرسالة وأصبح سيد المرسلين أمره الله بأن يصاحب أهل الصفة، وذلك واضح في قوله وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:٢٨] أي يا محمد" (٢).
لقد قالب المنوفي الأمور وحاول جاهدًا أن يقيم الأدلة على أن نبينا محمدًا ﷺ كان صوفيًا قولًا وفعلًا قبل إن تأتيه الرسالة وبعد ما جاءته أيضًا، وأنه ابتدأ كأي صوفي "مريدًا" ثم تدرج في الكمال.
(١) «جمهرة الأولياء» (١/ ١٣٤ - ١٣٥).
(٢) «جمهرة الأولياء» (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).