وفى عهد فقهاء الأمصار كان التدوين، فدونت المذاهب الجماعية، إذ دون مذهب كل أستاذ مع ما ذهب إليه أصحابه المجتهدون مثله ونسب الجميع إلى الأستاذ لأنه رأس هذه الطائفة.
النزعات الفقهية:
اختلف المجتهدون فى نزعا تهم الاجتهادية ولاختلافهم جهات متعددة. منها جهة المعنى ودلالته والوقوف عند ظاهر النص. وجهة الكلام فيما وقع وفيما لم يقع. وهاتان الناحيتان هما اللتان نعنى بهما النزعات فى هذا المقام.
لم يكن المجتهدون الأولون يتكلمون بعبارات التعليل والقياس وما إلى ذلك وإنما هى عبارات استعملها متأخروا المجتهدين وكان الأولون يذكرون المعانى دون العلل والقياس ولكن المراد لا يختلف. والمجتهدون جميعا من هذه الناحية كانت لهم نزعات ثلاث: نزعتان لأرباب المعانى ونزعة لأرباب الظاهر.
أرباب المعانى:
الناس بفطرتهم جد مختلفين. يتناولون من الأمور وما يسلكون من طرق البحث والاستنباط. ففريق منهم لا يبخس الألفاظ ودلالتها ما لها من حق، ولكنه يتغلغل فى معانيها ويسبر أغوارها ويتحرى مراميها وفريق آّخر لا يضيع عنده حق المعانى ولكنه يرعى ذلك بقدر ويهاب التغلغل فى التعليل والقياس، ويقف عند ما تدل عليه الألفاظ.
هذا هو شأن الناس فى أمورهم، وهكذا كان شأن المجتهدين الفقهاء الذين يرون التعليل والاعتماد على القياس فى تناولهم للأحكام الفقهية واجتهادهم فى استنباطها، كلهم يعطى الألفاظ أتم الرعاية وكلهم يقيس الأشياء بنظائرها، ولكنهم مختلفون فى المعنى الذى ذكرت.
ففريق منهم يسعى الى فهم روح التشريع وتذوق معانيه والغوص على علله وحكمه، وشوطه فى هذه الناحية أبعد من شوط الفريق الآخر الذى يحرص على ما ظهر من المعا نى، ولا يريد الابتعاد عنه بالمقدار الذى يبتعد به الفريق الأول.
وللفريق الأول فى هدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم معين. فقد كان حريصا على توجيههم إلى المعانى وتذوق أسرار التشريع. فقد قال لمن سأله أيقضى أحدنا شهوته ويؤجر: أرأيت لو وضعها فى حرام أكان يأثم؟ قال: نعم. قال: فكذلك يؤجر، أفتجزون بالشر ولا تجزون بالخير؟ وقال لمن أخبره أن امرأته ولدت غلاما أسود: هل لك من إبل! قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا. قال: فأنى أتاها ذلك قال: عسى أن يكون نزعة عرق. قال: فهذا عسى أن يكون نزعة عرق.
وقال لعمر بن الخطاب حين سأله عن قبلة الصائم لامرأته: أرأيت لو تمضمض بماء ومجه وهو صائم؟ قال عمر: لا بأس. قال: فكذلك هذا.
وقال للخثعمية حين سألته عن الحج عن أبيها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ذلك ينفعه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق.
وأمر المسلمين ألا يصلوا العصر إلا فى بنى قريظة. فوقف بعضهم عند ظاهر الأمر. وتفهم الآخرون المعنى وعملوا بما رأوا أنه مرماه فما عابهم، وهذه هى سنة القراّن الكريم فى مخاطبة العقول ودعوتها الى التدبر والنظر فى جميع الأمور.
أما الفريق الثانى فآثر ما يراه احتياطا فى الوصول إلى حكم الله، وطلب السلامة لنفسه فى ذلك.
ومن طبيعة الاتجاه الأول أن يحل صاحبه متى اطمأن إلى غزارة علمه وقوة إدراكه، على البحث والنظر فيما ورد بالكتاب والسنة من جهة دلالة اللفظ ودلالة المعنى مع الغوص والتعمق، ثم الإقدام على الفتيا وعدم التهيب.
ومن طبيعة الاتجاه الثانى أن يحمل صاحبه على التهيب وتمنى أن لو كفاه الأمر غيره. وكان على الاتجاه الأول أم المؤمنين عائشة وعمر وعلى وابن مسعود وزيد وابن عباس وغيرهم من فقهاء الصحابة المكثرين. كما كان عليه فقهاء المدينة السبعة وبخاصة ابن المسيب الذى كان يسمى سعيدا الجرىء، ومسروق وعلقمة والزهرى وربيعة وإبراهيم النخعى وحماد وأبو حنيفة وأصحابه وابن أبى ليلى والأوزاعى والشافعى والمزنى وأبو ثور وكثيرون من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.