وسأثبت في هذا المبحث أن معنى البداء الذي يطلقونه في كتبهم على الله تعالى، لا يخرج عن معناه اللغوي الذي ذكرته سابقا والذي يستلزم نسبة الجهل لله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
ولإثبات هذا سأورد جملة من الروايات التي صرحوا فيها بجواز تغير الرأي على الله تعالى، وحدوث العلم وتجدده عليه، تعالى الله عن ذلك.
روى العياشي في تفسيره: عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: ﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة﴾(1) قال: <كان في العلم والتقدير ثلاثين ليلة ثم بدا لله فزاد عشرا فتم ميقات ربه الأول والآخر، أربعين ليلة>(2).
فهذه الرواية صريحة في نسبة حدوث العلم لله تعالى فقوله: (كان في العلم والتقدير ثلاثين ليلة) يلزم منه أن الله تعالى لم يكن يعلم من ميقات موسى إلا الثلاثين ليلة. وهي التي في علمه وتقديره، أما العشر الأخرى فإن هذه الزيادة لم تكن معلومة له بل هي خارجة عن العلم والتقدير، وإنما بدا له فيها بعد ذلك.
ومن الروايات الصريحة في نسبتهم تغير الرأى وتجدده إلى الله تعالى. مارواه الكليني بسنده إلى أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام أنهما قالا: <إن الناس لما كذبوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هَمَّ الله تبارك وتعالى بهلاك أهل الأرض إلا عليا فما سواه بقوله: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾(3) ثم بدا له فرحم المؤمنين، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾(4)،(5).
ولا يخفى ما في هذه الرواية من الافتراء والكذب على رب العالمين وذلك بنسبتهم البداء الذي هو تغير الرأى وتجدده إلى الحكيم العليم .
ومن الروايات الصريحة الدالة على نسبتهم الجهل إلى الله تعالى.
ما رووه عن جعفر الصادق أنه قال: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني(1).