تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو مخالف كذلك لما استقر عليه إجماع أهل السنة والجماعة بأن الإمام أو الحاكم لا يخرج عليه بالقوة لمجرد الفسق أو وقوعه في الذنب ما لم يرق هذا الذنب إلى درجة الكفر البواح الذي لا يحتمل تأويلاً ولا تصريفاً، والذي عليه دليل صريح من الكتاب أو السنة.

قال النووي في شرحه للحديث " إلا أن تروا كفراً بواحاً ": (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق .. ) اهـ.

3) قال السائل: لو حكم - حفظكم الله - بشريعة منسوخة كاليهودية مثلاً، وفرضها على الناس، وجعلها قانوناً عاماً، وعاقب من رفضه بالسجن والقتل والتطريد وما أشبه ذلك؟

فأجاب الشيخ ابن باز: (ينسبه إلى الشرع ولا لا .. إذا نسبها إلى الشرع يكون كفراً .. وأما إذا ما نسبه إلى الشرع لا يكون كفراً أكبر فيما أعتقد .. !) اهـ.

أقول: تقييد كفر هذا الحاكم - بصفاته الواردة في السؤال - بشرط أن ينسب حكمه بشرائع اليهود المنسوخة إلى الشرع .. هو خطأ ظاهر، كنا نرجو أن لا يقع فيه الشيخ .. وذلك للأسباب التالية:

منها: أن هذا القول شاذ غريب ليس للشيخ فيه سلف معتبر .. فضلاً عن وجود الدليل الشرعي الذي يدل عليه، ولو تلميحاً .. !

ومنها: أن عشرات النصوص الشرعية - إن لم تكن المئات - تفيد كفر هذا النوع من الحكام، نذكر منها قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يُصيبهم عذاب أليم﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.

فهذه الآيات - وغيرها كثير من الآيات والنصوص - كلها تفيد وتدل دلالة صريحة على كفر هذا الحاكم الوارد ذكره في معرض السؤال .. ولو تتبعنا أقوال العلماء والمفسرين لهذه الآيات لوجدناها كلها تجمع على كفر هذا الحاكم كفراً أكبر.

مفتي المملكة؛ عبد العزيز بن باز · الصفحة ٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مفتي المملكة؛ عبد العزيز بن بازص ٣٣