أحد المنافقين، فيقول: إن محمدًا يزعم أنه نبي ويخبركم بخبر السماء و هو الآن لا يدري أين ناقته، و يأتي جبريل رسول الله –صلَّى الله عليه وسلم- بالخبر، و يقول: إنَّ رجلا منكم يقول: إنَّ محمدًا يزعم أنَّه نبي و يخبركم بأمر السماء و هو لا يدري أين ناقته، وإني – والله - ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها. يقول لهم النبي – صلى الله عليه وسلم-: (هي في هذا الوادي في شعب كذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانْطَلِقُوا حتى تأتوني بها) فذهبوا فوجدوها كما ذكر- صلى الله عليه وسلم- وظهرت آية نبوته وفُضِحَ هذا المنافق وطُرِدَ عدو الله من جيش محمد -صلى الله عليه وسلم-.
و يمضي -صلى الله عليه وسلم- في مسيره إلى "تبوك"، ويتخلف عنه بعض المسلمين، فيقول الصحابة: فلان تخلف يا رسول الله، فيقول: (دعوه إن يكن فيه خير فسَيُلْحِقَه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه)، ويتأخر أبو ذر، بعيره هزيل، أبطأ به بعيره، فترك بعيره وأخذ متاعه وحمله على ظهره، وينزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بعض منازله على الطريق، وينظر ناظر المسلمين ويقول: يا رسول الله: رجلٌ يمشي على الطريق وحده، متاعه على ظهره، فقال- صلى الله عليه وسلم-: (كن أبا ذر كن أبا ذر) فيتأمل الصحابة، فيقولون هو والله أبو ذرٍ يا رسول الله، فقال- صلى الله عليه وسلم-: (رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده).
و تمضي الأيام على هذه المقولة، وتمضي الأعوام، و يُنْفَى أبو ذرٍ إلى "الربدة"، ويحضره الموت هناك، وليس معه إلا امرأته وغلامه، وقبل موته أوصاهما: أن يُكَفِّنَاه و يُغَسِّلاه، و يضعاه على الطريق، و أول ركب يمر بهم يقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعينونا على دفنه. و يفعلان ذلك، ويأتي عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق؛ ليعتمروا و ما راعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق، كادت الإبل أن تطأها، عندها قام غلام أبي ذر و قال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأعينونا على دفنه، فاندفع عبد الله بن مسعود باكيًا يقول: صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- (تمشي وحدك وتموت وحدك)، ثم نزل هو وأصحابه فدفنوه، ودموعهم تَهْراق على خدودهم.
وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنها روحٌ تسيل فتَقْطُرُ
وينتهي المسير بمحمد- صلى الله عليه وسلم- إلى "تبوك"، ويقيم بضع عشر ليلة حافلة بالأحداث المثيرة. روى البيهقي من حديث يزيد بن هارون أنَّه- صلى الله عليه وسلم- لما نام ليلة في "تبوك"، أتاه جبريل -عليه السلام- وقال: يا رسول الله قم صَلِّ صلاة الغائب