هذه الجماعات على حدة. وربما حدث فيما بعد أن دمجت هذه الأعمال وصيغت من جديد في عمل واحد هو التوراة (الأخماس) وربما كان ذلك متأخراً".
ويرى ' P.Brcker' أنه ليس بمستبعد أن تلك المصادر الثلاثة أو الأربعة ظلَّت منفصلة زمناً طويلاً، وليس هناك ما يمنع من تأخير ضمها كاملةً ونهائياً حتى السبي البابلي، أو إلى عهد ابن عزره (78).
النصوص المسمارية
إن التسلسل التاريخي للأحداث والمعطيات اللغوية التي تعرضنا لها في هذه الدراسة تحمل دلالة قاطعة على غياب التوراة الأصلية. ومع ذلك، فقد تحرك الباحثون لعلهم يجدون، فيما اكتشف من آثار أركيولوجية تعود إلى عهود قديمة جداً، ما يساعدهم على استجلاء ما أضيف من أثر إنساني وموروث شعبي إلى نصوص التوراة، لتعطينا المدونة التي بين أيدي الناس اليوم. وبمناسبة ذلك تردد السؤال الآتي:
هل تؤكد النصوص المسمارية التوراة أم تفندها؟ (79).
إن النصوص المسمارية هي ألواح مكتوبة بالخط المسماري يرجع تاريخها إلى عهد قديم يسبق بعثة موسى وهارون بكثير، وقد رأى E. Chiera أن ما جاء في هذه النصوص المسمارية يوافق بعض ما جاء في التوراة حقاً، ذلك أن التوراة لا تمثل كتاباً واحداً وإنما تمثل كتباً عدة، لم يضعها ـ في رأيه ـ مؤلف واحد، وإنما اشترك في وضعها مؤلفون، وما تتضمنه لا يعود إلى عهد واحد، بل إلى عهود عديدة، وفيها القضايا الدينية والتاريخية والكونية، والشعر وتأملات الفلاسفة وغير ذلك من الآداب. وهذه المضامين التوراتية طرحت السؤال السابق، إذ لم يعد الأمر يتعلق بتأكيد هذه النصوص لحقيقة التوراة، وإنما الحقيقة هي أن التوراة الحالية ليست إلا جماع الكتابات الأشورية وغيرها مما خلفته الشعوب السابقة (80). بل جل مضامينها ما هو إلا "التوراة الكنعانية"، ذلك العنوان الذي وضعه H.E. Del Medico 81 على كتابه، مع ما في ذلك من مجاز بلاغي تشفه الحقيقة كما سنرى.
فما هي قصة النصوص المسمارية؟
في تل رأس شمرة، الواقع على بعد 12 كم من أنطاكية على الساحل السوري، اكتشف أحد الفلاحين صدفة، سنة 1928، عندما ارتطم محراثه بغطاء مغارة، موقعاً أثرياً اشتهر فيما بعد لأنه كان يتضمن تراثاً إنسانياً غَيَّرَ محتواه كثيراً من معارف الناس حول تاريخ المنطقة ومعتقداتها. بل غَيَّرَ رأي الباحثين فيما تضمنته مدونة التوراة التي كانت في نظر الناس إلى ذلك الحين، أكثر الكتب قدماً وشهرة وتأثيراً.
وفي سنة 1929 أشرف' M.M Claude Schaeffer & George Chenet' على الحفريات في رأس شمرة. ومن بين ما عثرا عليه ألواح مكتوبة بنوع من الخط المسماري وبلغة لم تكن معروفة حتى ذلك الوقت. وانكب عدد من علماء اللغات السامية على هذه النصوص، كل على حدة. من هؤلاء Charles Virdleaud الذي نشر أول نص أوغاريتي، وهذا هو اسم لغة النصوص التي عثروا عليها في موقع رأس شمرة، نسبة إلى مدينة أوغاريت القديمة (82) (في سوريا)، وتوالت الترجمات والدراسات، منها ما قام به: Hans Bauer83 و E. Dhorme84 و 85. Del Medico و Ch.Gordon 86 و Ernest Doblhofer 87 و M.Dahood 88 و Aistleitner 89 Virdleaud 90 و ' Sznycer' وغيرهم كثير (92,91).
ارتبط النص الأوغاريتي بالتوراة واللغة العبرية منذ بدء اكتشاف الألواح في رأس شمرة. وكان ذلك انطلاقاً من اعتماد أولئك الذين سهروا على فك رموز هذه اللغة القديمة على اللغة العبرية، وتقريبهم معجم هذه من تلك. وكان من الطبيعي أن يجدوا، وهم يقارنون بين اللغتين، كثيراً من المفاهيم والوقائع والأحداث والشخصيات والمعتقدات المتشابهة، لأن هذه النصوص المسمارية تمثل كتاباً دينياً قديماً، لذلك جعلها الباحثون من أهم مصادر العهد العتيق (93). بل اعتبرها H.E. Del Medico " توراة كنعانية" حقاً وليست مجازاً، فقال: >لم تأت تسمية هذا الكتاب بالتوراة الكنعانية لأن كثيراً من مكونات قصص رأس شمرة ترددت في كتاب العهد العتيق العبري، بل هناك كثير من الأسباب تفرض أن هذه النصوص كانت عند الكتبة الكنعانيين توراة ... <. وإذا كان لدى هذا الباحث استعداد لإطلاق توراة على أي كتاب يحمل نصوصاً مشابهة لما هو مدون في العهد العتيق، فإننا نذكر بأن أصول الكتب السماوية واحدة، لأن الله سبحانه وتعالى لا يصدر عنه التناقض، ولكننا في بحثنا هذا نبحث عن أصول التوراة باعتبارها رسالة أنزلت على موسى وهارون دون سواهما (94).
وتتضمن نصوص رأس شمرة أساطير وأخباراً ومزامير وصلوات ونصوصاً تشريعية، وجد الدارسون كثيراً مثلها في العهد العتيق، ولا تخلو ترجمة من ترجمات هذه النصوص من إشارات إلى ذلك. وتعتبر ترجمة A. Caquot و M. Sznycer و A. Herdner : نصوص أوغاريتية، ملاحم وأساطير (95) من أهم الترجمات