تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد تسبب نقد الكتاب المقدس في أمرين اثنين:

1. زاد من شك أتباع الكنيسة المسيحية، بمذاهبها المختلفة، في أمر نسبة التوراة كلها إلى موسى، وأكد لهم ما كانوا يشعرون به من اضطراب في سرد الأحداث وعرض الوقائع في الكتاب.

2. حث كبار علماء اللاهوت من المسيحيين على النظر في الخلل الواقع في الكتاب المقدس والبحث عن أسباب وقوعه، حفاظاً على العقيدة المسيحية ودفاعاً عن مبادئ الكنيسة، بعيداً عن كل انفعال أو جدل عقيم.

Albert Lagrange (1855 - 1938، ونذكر في هذا الصدد اللاهوتي الفرنسي (الكاثوليكي الذي لم يرفض النقد باعتبار أن في الكتاب ' Bible" ما هو إلهي وفيه ما هو بشري، ولكنه نبه إلى وجوب النظر في كل هذا انطلاقاً من الإيمان العميق والفحص المتأني، لا بالاعتماد على النقد الفقهي اللغوي والتاريخي وحدهما، ولا انطلاقاً من صراع مذهبي. ورأى أن النظر في النص المقدس وشرحه لا يجب أن يكون منافياً لعلم اللاهوت، بل يجب أن يلتقي وإياه في المعطيات العلمية الحقيقة. وشعر أيضاً بأن الدراسات والبحوث اللاهوتية في حاجة إلى مؤسسة تجمع بين الإيمان العميق وقواعد العلم الصحيح، فأسس في 15 أكتوبر 1890م "المدرسة التطبيقية لدراسة الكتاب المقدس" وفي سنة 1892م أنشأ مجلة للمدرسة بعنوان مجلة الكتاب المقدس La Revue Biblique. وقضى Lagrange ثلاثين سنة، منذ تأسيس المدرسة إلى أن توفي، وهو يدرِّس جاهداً لتكوين طلابه تكويناً حيادياً، ولم يتوان عن الكتابة في المجلة بانتظام خلال هذه المدة.

وفي سنة 1900م قام Lagrange بنشر مشروع التفسير الكامل للكتاب المقدس، ودعا العديد من المختصين للمساهمة فيه بقصد إعداد تفسير كاثوليكي يرتكز على ترجمات الأصول ترجمة جيدة وعلى النشرات العلمية المحققة. وافتتح هو المشروع سنة 1903 بتفسيره لسفر القضاة (73).

وقد أرَّخَ عالم اللاهوت المشهور R. De Vaux في كتابه الشرق والكتاب المقدس (74) لـ Lagrange ولهذه الحركة النقدية اللاهوتية. وعَبَّرَ في كتابه هذا عن رأيه في هذه المسيرة الطويلة، خصوصاً في الفصلين المعنونين بـ "نظر في الحال التي عليها نقد التوراة اليوم" و"هل في الاستطاعة الكتابة في علم لاهوت العهد العتيق؟ ". وعرض في الكتاب لأعلام علم نقد الكتاب المقدس وأعمالهم، سواء أولئك الذين تبنوا نظرية المصادر المختلفة أو أولئك الذين رفضوها. وقد تردد هو نفسه قبل أن يتبنى هذه النظرية نهائياً، ورأى أن صياغة التوراة ــ الأخماس أو الأسداس ــ (75) لا يمكن أن تتصور إلا في شكل عمل أعيدت صياغته اعتماداً على مصادر أو روايات أو وثائق كان لها وجود حقيقي، وظلت محفوظة في أماكن العبادات التي كان يجتمع فيها بنو إسرائيل ليستمعوا إلى الوعظ أو أخبار الرواة الذين كانوا يذكِّرون بالأحداث والوقائع الكبرى التي جرت في عهد الآباء، وكانوا يمزجون قصصهم بذكر كرامات وأفعال إلهية تخص الشعب المختار. وأدرجت كل هذه القصص في تدوين طقوس الأعياد للتدليل على عناية الرب ببني إسرائيل.

واعتبر' De Vaux' الكتابات التشريعية نتاجاً من عمل كهنة المعابد، لأن هؤلاء وضعوا لحياتهم وعملهم قوانين وتشريعات صاغوها في دستور يحدد حقوقهم وواجباتهم، كما وضعوا تشريعاً بمقتضاه يقوم المؤمنون بدينهم. بل أكثر من ذلك أن هؤلاء كانوا هم أنفسهم مصدر الأحكام والفتاوى، وكانوا المرجع في السلوك الأخلاقي الذي ينبغي على بني إسرائيل التزامه، وهذا ما يمثل مفهوم التوراة أو التعاليم أو الشريعة.

ويرى' De vaux' أننا إذا كنا نستطيع استنتاج أن هذه الأعمال كانت ثمرة المعابد، إلا أننا لا نستطيع أن نستنتج أي شيء يدلنا على هذه المعابد نفسها وأين كانت.

ويظهر أن منبت الرواية أو المصدر "اليهوي" هو مملكة يهودا، ومصدر الرواية "الإلوهية" هو إفراييم، أما التثنية فهي شبيهة بأسلوب تقاليد الشمال، حملها اللاويون بعد سقوط مملكة إسرائيل، فأضافوا إليها من اعتقاداتهم بعد أن استقروا في أورشليم. أما التقليد الكهنوتي، فهو يرتبط بالهيكل والكهنة وأورشليم.

ولقد تداخلت الأحداث فيما بعد في هذه الروايات لتصبح جزءاً منها، فَدُوِّنَ كل ما يتعلق بالتشريع في إطار، وَدُوِّنَتْ القصص والأخبار في إطار آخر. وفي مرحلة لاحقة من التدوين أدمجت كل هذه فصارت ركاماً من التشريعات الخاصة بالعبادات، والأخرى المتعلقة بالمؤسسات (نظم الكهنة ونظم الدولة) والروايات التاريخية، وظلت الرواية الشفوية موازية لهذا التقليد المكتوب تتفاعل وإياه على مدى قرون وفي أماكن مختلفة.

لغات الرسل وأصول الرسالات · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لغات الرسل وأصول الرسالاتص ٣٨