تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أشار الشيخ مصطفى عبد الرَّازق فيما كتبه حول ابن سينا إلى أنه اقتنى كتاباً لأرسطو في موضوع "ما وراء الطبيعة" فانكب عليه أزيد من شهر وانغلق فهمه عليه، فاتجه صباح يوم إلى المسجد لصلاة الصبح، فلما عاد إلى البيت واستأنف قراءة الكتاب تفتحت مغاليقهُ، فكان للحكمة العملية بذلك أثر قوي في دعم الحكمة النظرية (33).

الأنبياء والرسل

الرسول إنسان من البشر أوحى اللّه إليه بشرع وكَلَّفَهُ بتبليغه كرسالة. أما النبي فهو مُكَلَّفٌ بإرشاد قومه وفقاً لرسالة باقية لم تتغير معالمها بالتحريف أو بضياع الأصول، فكل رسول نبي ولا عكس.

وعدد الأنبياء، كما في بعض الآثار، مائة وأربعة وعشرون ألفاً، وعدد الرسل من هؤلاء ثلاثمائة وخمسة عشر، كما في حديث أبي ذر الغفاري الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (34)، وأولو العزم هم أبرز الرسل وأكثرهم قوة وصبراً، ومنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أمره الله تعالى أن يحذو حذوهم: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ (سورة الأحقاف، الآية 34). وإنما سُمُّوا "أولو العزم" لقوة عزائمهم وشدة ابتلائهم، >أشد الناس بَلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل< (35).

والنبوة اصْطِفَاءٌ وَهِبَةٌ واخْتِصَاصٌ من اللّه لمن يشاء من عباده، فهي لا تعطى إلا للمؤمن، وهي خاصة بالرجال: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم﴾ (سورة يوسف، الآية 109).

عصمة الأنبياء والرسل

وقد ورد في كتاب الله من مناقب الأنبياء والرسل ما يستوجب تقديرهم ومحبتهم، والإيمان بما جاؤوا به عن ربهم، وجميع الرسل مُثُل عُليا للمؤمنين.

﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صِدِّيقاً نَبِيّا﴾ (سورة مريم، الآيتان 41 - 40) ﴿إن إبراهيم كان أمَّةً قانتا للّه حنيفاً ولم يك من المشركين﴾ (سورة النحل، الآية 120) ﴿قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين﴾ (سورة الأعراف، الآية 144) ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيّا﴾ (سورة مريم، الآية 54) ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار. وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار. واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار﴾ (سورة ص، الآيات 47 - 44).

وهكذا أبرز الله تعالى الصفات المثلى للأنبياء والرسل، وهي كما استخلصها رجال الدين: الصدق والأمانة والعفة والفطنة والسلامة من العيوب المنفرة والعصمة من تعمد المعصية. لقد امتازوا بهذه الصفات على بقية البشر لبعدهم عن المعاصي، وعن كل ما يخل بالمروءة والكرامة، فصاروا صورة للكمال وأهلاً للإمامة ولهداية البشرية.

وينبغي نبذ كل كتابة تنسب النقائص إلى الرسل، إذ أن كل ما ينسب إلى الرسل والأنبياء من أمور مشينة إنما هو من فعل الناس وترويجهم الأباطيل وتحريفهم مضمون الرسالات.

ومعلوم عقلاً أن الأصول الأولى التي دوِّنت بالنقل المباشر عن ألْسِنَة الرُّسل السابقين على محمد صلى الله عليه وسلم لو كانت موجودة لوجدناها تحفظ للرسل والأنبياء كل معاني النزاهة والكرامة، باعتبارهم قدوة ومثلاً عليا في تاريخ الإنسانية. ولكن تلك الأصول الأولى غير موجودة في عصرنا هذا، ومن الصعب العثور على شيء منها، ولا يوجد في حوزة الإنسانية المعاصرة أصل مرجعيّ يحمل نصّاً لرسالة سماوية أصيلة وكاملة كما بَلَّغَها الرسول، وبقيت لغتها حية إلى اليوم، سوى القرآن الكريم، الذي يحفظ لجميع الأنبياء والرسل العصمة والعزة والكرامة، شأنه شأن سائر الرسالات التي نزلت من عند الله سبحانه وتعالى.

إن الإسلام يحترم جميع الرسل والأنبياء، ويذكر بإمامتهم وبما حملوه من مبادئ لهداية البشر، كما قال اللّه تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾ (سورة الأنبياء، الآية 72) فالنبي أو الرسول قدوة لا يمكن أن يوصم بما يتنافى مع الخلق القويم، وإن كان يمكن أن يخطئ في تقديراته واجتهاداته الشخصية، بعيداً عن الوحي، إلا أن خطأه لا يصل بأي حال إلى أن ينزل به عن الخلق الرفيع.

لغات الرسل وأصول الرسالات · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لغات الرسل وأصول الرسالاتص ١٤