الرابع : ظن الظان أن ليس في القلب إلا التصديق،وأن ليس الظاهر إلا عمل الجوارح . والصواب أن القلب له عمل مع التصديق، والظاهر قول ظاهر وعمل ظاهر، وكلاهما مستلزم للباطن . والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان؛ فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب ـ أيضًا ـ وجعلها هي التصديق، فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر قيل لهم : العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، /فبقى النزاع في أن العمل الظاهر : هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان ؟
والتحقيق أنه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون لازمًا للمسمى ـ بحسب إفراد الاسم واقترانه ـ فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجًا عنه، كما في حديث جبريل، وإن كان لازمًا له، وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل، كما في قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [ البينة : 7 ] فقد يقال : اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل وإن كان لازمًا له، وقد يقال : بل دخل فيه وعطف عليه عطف الخاص على العام، وبكل حال فالعمل تحقيق لمسمى الإيمان وتصديق له؛ ولهذا قال طائفة من العلماء ـ كالشيخ أبي إسماعيل الأنصاري،وغيره ـ : الإيمان كله تصديق، فالقلب يصدق ما جاءت به الرسل،واللسان يصدق ما في القلب، والعمل يصدق القول،كما يقال : صدق عمله قوله . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( العينان تزنيان وزناهما النظر،والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليد تزني وزناها البَطْش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفَرْج يصدق ذلك أو يكذبه ) ، والتصديق يستعمل في الخبر، وفي الإرادة، يقال : فلان صادق العزم وصادق المحبة، وحملوا حملة صادقة .